.

اراء و اقلام الدستور – هل يمكننا أن نستمد الإلهام من تجربة إعادة الإعمار اليابانية؟

سامر الشخشيرمنذ 3 ساعات
اراء و اقلام الدستور – هل يمكننا أن نستمد الإلهام من تجربة إعادة الإعمار اليابانية؟


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

عندما يُطرح موضوع إعادة الإعمار في سوريا، غالباً ما يتلخص النقاش في التمويل: من سيدفع؟ كم هي التكلفة المقدرة؟ لكن التجارب التاريخية تخبرنا أن القضية أعمق بكثير من مجرد أرقام. إعادة الإعمار ليست مجرد عملية هندسية أو مالية، بل هي قبل ذلك خيار سياسي ورؤية اجتماعية تحدد شكل المدن وطبيعة العلاقات داخلها ومستقبل الاستقرار فيها.

ومن التجارب التي تستحق التأمل الجدي، تبرز التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية، ليس كنموذج يُحتذى، بل كتجربة يمكن استلهام بعض المقاربات منها، خاصة في إعادة بناء المناطق السكنية. لقد خرجت اليابان من الحرب وقد دمرت إلى حد كبير، حيث دمرت مدن بأكملها وسويت بالأرض، وكادت البنية التحتية أن تنهار. لكنها لم تعتمد نهجاً مركزياً بحتاً يقوم على امتلاك الدولة لكل شيء وإعادة توزيعه وفق خطط فوقية. بل انتقلت إلى صيغة أكثر توازناً تقوم على الشراكة بين الدولة وأصحاب الأراضي وشركات القطاع الخاص. تركز جوهر العملية على إعادة بناء الأحياء السكنية، بحيث يحتفظ أصحابها بحقوقهم في الأرض، لكنهم يوافقون على إعادة تقسيمها وتخطيطها بشكل حديث، يسمح بفتح طرق أوسع. تخصيص مساحة للخدمات وتحسين البنية التحتية. وفي المقابل، يحصل كل مالك على حصة أصغر نسبياً من الأرض، ولكنها ذات قيمة أعلى وأكثر قابلية للاستثمار.

وبهذه الطريقة، تم تمويل جزء كبير من عملية إعادة الإعمار من داخل العملية نفسها، دون الحاجة إلى موارد مالية ضخمة من الدولة. تحمل هذه الفكرة في جوهرها إمكانات مهمة للسياق السوري، خاصة في المناطق السكنية التي تعرضت لدمار واسع النطاق. فبدلاً من الدخول في صراعات معقدة على الملكية، أو اللجوء إلى عمليات مصادرة شاملة قد تثير مخاوف مشروعة، يمكن التفكير في نماذج تعيد تنظيم الملكية ضمن إطار يحفظ الحقوق ويحقق في الوقت نفسه المصلحة العامة المتمثلة في بناء مدن أكثر تنظيماً وصالحة للعيش.

واستلهام هذه التجربة لا يعني تجاهل الاختلافات الجوهرية بين الحالتين. وكانت اليابان دولة مستقرة سياسيا وتتمتع بمؤسسات قوية وتحظى بثقة عامة عالية، الأمر الذي سهل قبول الناس لهذه الترتيبات. لكن في سوريا، أي نهج مماثل يجب أن يبنى على أساس الشفافية والضمانات القانونية الصارمة، حتى لا يتحول إلى أداة لمصادرة الممتلكات أو إعادة توزيعها بشكل غير عادل.

ومن هنا فإن النهج الأساسي لأي محاولة لاستلهام التجربة اليابانية يجب أن يكون قانونياً ومؤسسياً، أي وضع إطار قانوني واضح لإعادة التنظيم العقاري يحدد بدقة الحقوق والواجبات، ويضمن المشاركة الحقيقية للملاك في صنع القرار، ويوفر آليات تعويض عادلة وشفافة. كما يتطلب وجود قضاء مستقل قادر على الفصل في المنازعات التي قد تنشأ، وهو أمر لا يقل أهمية عن التمويل نفسه. إضافة إلى ذلك، يمكن للسلطة الجديدة أن تستفيد من عنصر مهم آخر في التجربة اليابانية، وهو تحفيز القطاع الخاص للمشاركة في إعادة الإعمار، حيث يمكن لإعادة بناء الأحياء السكنية أن تتحول… إلى فرصة اقتصادية إذا تم تنظيمها بشكل جيد لخلق توازن بين الربحية والمصلحة العامة.

فالقطاع الخاص هنا لا يقوم بدور «المقاول المنفذ». بل هو شريك استثماري يدخل في العملية ويستفيد منها، لكنه في الوقت نفسه يساهم في تمويلها وتخفيف العبء على الدولة. وتقوم بتطوير جزء من الأراضي المعاد تنظيمها بعد إعادة تخطيط المنطقة وفتح الشوارع وتحسين البنية التحتية، حيث ترتفع قيمة الأرض بشكل كبير، فيخصص جزء من هذه الأراضي (أو حقوق الاستثمار عليها) للقطاع الخاص لتطويرها كمشاريع سكنية أو تجارية، وهذا الجزء هو “مكسبها” الرئيسي، أي أنها تمول البنية التحتية مقابل الحقوق. الاستثمار، فبدلاً من أن تتحمل الدولة كامل تكلفة الطرق والخدمات، يمكن للمستثمرين تمويل هذه الأعمال مقابل الحصول على حق تطوير العقارات داخل نفس المنطقة.

كما يمكنه الدخول في شراكات مع الملاك، حيث يمكن للقطاع الخاص الاتفاق مع أصحاب الأراضي على تطوير عقاراتهم مقابل حصة من المشروع النهائي (شقق، مكاتب، محلات تجارية)، وهنا يتحول المالك من مجرد متلقي للتعويض إلى شريك، فيما يحصل المستثمر على جزء من العائد دون شراء الأرض بالكامل.

لن تنجح عملية إعادة الإعمار في سوريا إذا ظلت رهينة انتظار المساعدات الخارجية التي قد تأتي أو لا تأتي، ولن تنجح إذا فُرضت من الأعلى دون إشراك حقيقي للسكان المتضررين، لأننا بحاجة إلى نهج يجمع بين الحفاظ على الحقوق الفردية وتحقيق المنفعة العامة، وتحويل عملية إعادة الإعمار من عبء إلى فرصة.

والتجربة اليابانية لا تقدم وصفة جاهزة، ولكنها تقدم فكرة أساسية، وهي أن إعادة بناء المدن يمكن أن تتم بالشراكة مع شعوبها، وليس على حسابها. وهذه الفكرة، إذا أخذت على محمل الجد، يمكن أن تكون بوابة لإعادة البناء ليس فقط بالحجر، بل لاستعادة الثقة بين الدولة والمجتمع. فهل نحن مستعدون لتبني مثل هذا النهج الذي يتطلب الشراكة والشفافية والعدالة في توزيع الأعباء والمكاسب، أم أن مسألة إعادة الإعمار ستكون فرصة ذهبية لإثراء البعض على حساب أغلبية الشعب؟

#هل #يمكننا #أن #نستمد #الإلهام #من #تجربة #إعادة #الإعمار #اليابانية

هل يمكننا أن نستمد الإلهام من تجربة إعادة الإعمار اليابانية؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – هل يمكننا أن نستمد الإلهام من تجربة إعادة الإعمار اليابانية؟

المصدر : www.enabbaladi.net

.