.

اراء و اقلام الدستور – إعادة تصور متبادل في سوريا

سامر الشخشيرمنذ ساعتين
اراء و اقلام الدستور – إعادة تصور متبادل في سوريا


دستور نيوز

مجيب مصطفى خطاب

تشهد سورية في مرحلتها الحالية تحولات كبيرة تتجاوز حدود الانتقال السياسي وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، حيث يبرز مسار موازٍ وأكثر تعقيداً، يتمثل في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وأنماط التصور للذات والآخر. وخلفت سنوات الصراع انقسامات لم تقتصر على المجال السياسي، بل امتدت إلى البنى الاجتماعية والذاكرة الجماعية، ما جعل استعادة التماسك المجتمعي مرتبطة بقدرة السوريين على إعادة تعريف علاقتهم مع بعضهم البعض خارج إطار التسويات الرسمية.

وانطلاقًا من هذا السياق، يقدم المقال مفهوم إعادة التصور المتبادل كمقدمة لفهم كيفية إعادة تشكيل السوريين لتمثيلاتهم المتبادلة بعد سنوات من الاستقطاب الشديد، خاصة وأن الحرب أنتجت أنظمة من الروايات المتضاربة أعادت تعريف الهوية والانتماء، وساهمت في إنتاج صور نمطية متبادلة عمقت الانقسام في تفاصيل الحياة اليومية. ومع التحولات الحالية، التي تتجلى في الممارسات ذات الطبيعة الوطنية والمتعلقة بحقوق الإنسان، تظهر سمات توسع التجارب الإقليمية، فضلاً عن تغير أولويات الجهات الفاعلة الاجتماعية. مسار تدريجي يعيد صياغة هذه الصور ضمن أطر أكثر واقعية وأقل حدة.

تحولات الخيال المتبادل

لم يظهر مفهوم “إعادة التصور المتبادل” كمصطلح مستقل في الأدب العربي، لكن جذوره المعرفية حاضرة بشكل واضح في أعمال عدد من المفكرين العرب الذين تناولوا علاقة الهوية والسلطة، ودور السرديات في تشكيل الوعي الجمعي. وفي هذا السياق، يقدم برهان غليون تحليلا متعمقا لكيفية تشكل “الآخر” في السياق العربي، موضحا أن الصراع السياسي غالبا ما يتحول إلى صراع على المعنى والتمثيل، وأن الجماعات تعيد إنتاج صور متبادلة تستخدم لتبرير مواقفها. يساهم هذا المقترح في توضيح كيفية تبلور الصور النمطية المتبادلة في الحالة السورية، كناتج لتفاعل الخطاب السياسي مع التجربة الميدانية. إضافة إلى ذلك، يرى عزمي بشارة أن المجتمعات المنقسمة تعيش حالة من «المخيلات السياسية المتعددة»، وأن التغلب على الانقسام يتطلب إعادة بناء خطاب وطني مشترك يعيد تعريف الانتماء والشرعية. ويتقاطع هذا التصور مع فكرة إعادة التصور المتبادل كعملية اجتماعية تعيد من خلالها المجموعات النظر في تمثيلاتها المتبادلة، في أفق إعادة تركيب المعنى المشترك.

في ضوء ذلك، أنتجت سنوات الحرب منظومة واسعة من الصور النمطية، بسبب تقاطع الانقسامات السياسية والجغرافية والعسكرية، التي ساهم فيها الخطاب الإعلامي والسياسي، والذي أدى بدوره إلى انقسام حاد بين مناطق السيطرة، وبناء روايات متضاربة حول الوطنية والشرعية والضحايا والمسؤولية. وبمرور الوقت، تراكمت ذاكرة جماعية مجزأة، تغذيها مشاعر الخوف والتهديد وتعيد إنتاج الانقسام في الحياة اليومية، بحيث لم تعد تتم إدارة الاختلاف باعتباره تنوعا، بل يتم إعادة تأطيره ضمن ثنائيات متعارضة تعمل على تعميق المسافة بين المجموعات.

ورغم ترسيخ هذه الانقسامات، إلا أن البيئة الوطنية السورية شهدت مؤخراً تحولاً في هذه القناعات النمطية، حيث بدأت هذه الصور في التراجع تدريجياً نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المتداخلة.

فمن ناحية، ساهمت بعض الإجراءات السياسية والمؤسساتية، بما في ذلك “المرسوم 13” الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، في خلق مؤشرات أولية لإعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع. من ناحية أخرى، ساهمت الممارسات الحقوقية التي اعتمدتها الحكومة السورية في التعامل مع بعض الملفات الحساسة، خاصة في قضية الساحل السوري، بالإضافة إلى المحاكمات العلنية التي جرت في حلب، في إعادة طرح مفاهيم المساءلة في المجال العام كبديل لمنطق الانتقام أو الإقصاء. قدمت إجراءات العدالة الانتقالية التي طالت شخصيات بارزة مثل أمجد يوسف وعاطف نجيب، مؤشرات قوية على إمكانية إعادة تعريف المسؤولية والعدالة ضمن إطار وطني شامل، ما كسر احتكار الخطاب الطائفي لمفهوم الضحية.

بالإضافة إلى ذلك، لعبت العوامل الاجتماعية الأوسع دورًا لا يقل أهمية، أبرزها الإرهاق المجتمعي الناتج عن الصراع المطول وتراجع حدة الخطاب الحشدي في مواجهة ضغوط الواقع المعيش. لقد أدى توسع الهجرة وظهور التجارب الفردية عبر المناطق إلى دفع الهياكل العقلية نحو إعادة صياغة أكثر واقعية وأقل حدة للآخر. وهذا «الآخر» بدأ يعاد تحقيقه ضمن سياق إنساني وحيوي مشترك، بدلاً من أن يكون طرفاً في معادلة صراعية لا يمكن قسمتها إلى قسمين.

حدود التحول الاجتماعي

وعلى الرغم من التحولات الملحوظة في أنماط الإدراك والتفاعل، إلا أن عملية إعادة التصور المتبادل لا تزال تواجه عقبات بنيوية تحد من اتساعها واستقرارها. وأبرزها استمرار تواجد الفئات المتأثرة بمسار التحرير وتوحيد البلاد. وتساهم هذه المجموعات في إعادة إنتاج الروايات المتضاربة، مما يحد من إمكانية تشكيل خيال اجتماعي شامل قادر على استيعاب التحولات الجارية. وفي السياق نفسه، فإن ضعف المبادرات المدنية العابرة للمناطق يؤدي إلى تقليص المساحات التي يمكن أن تنتج خطابا وطنيا بديلا، مما يترك المجال العام مفتوحا. وفي مواجهة الروايات المتنافسة دون إطار شامل لإعادة تنظيمها، بالإضافة إلى ذلك، يشكل الإرث الإجرامي الكبير الذي خلفه نظام بشار الأسد، والبطء النسبي لعمليات العدالة الانتقالية، عقبة أساسية أمام إعادة بناء الثقة، حيث تظل الذاكرة الجماعية مفتوحة دون معالجة مناسبة، ويظل الماضي حاضراً كمصدر دائم للتوتر مع عدم وجود مادة يمكن إعادة تفسيرها. إضافة إلى ذلك، لا يمكن إغفال تأثير الاقتصاد المنهار، الذي يعمق الفوارق بين المناطق ويدفع نحو حلول محلية ضيقة، رغم أنه يخلق في الوقت نفسه أشكالا من الترابط. التي تفرضها ضرورات الحياة.

وبناء على ما سبق، يمكن فهم السلام المدني في سوريا على أنه عملية اجتماعية معقدة تتشكل من خلال تفاعل مستويات متعددة ومترابطة. فمن ناحية، يظهر البعد الرمزي في إعادة تعريف الآخر، وتفكيك خطاب الكراهية، وإنتاج رواية مشتركة تعيد صياغة الانتماء. ومن ناحية أخرى، يتجسد البعد التفاعلي في العلاقات اليومية، حيث تساهم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والمبادرات المدنية في إعادة بناء الثقة تدريجياً. وعلى المستوى البنيوي، يتعلق الأمر بإصلاح المؤسسات، وإطلاق مسارات العدالة، وإعادة توزيع الموارد بما يعزز الاستقرار ويقلل أسباب الانقسام. ونتيجة لذلك، لا يبدو السلم المدني كنتيجة مباشرة لاتفاق سياسي أو تسوية رسمية، بل كنتيجة تراكمية لتفاعلات اجتماعية موسعة تتجاوز الفضاء الرسمي لتشمل الحياة اليومية للسوريين. وفي هذا السياق، تتجلى عملية إعادة التصور المتبادل في مسارات متداخلة تبدأ بتحول الخطاب الاجتماعي، ليحل محله لغة أكثر واقعية تركز على الإنسان والمعيشة المشتركة، وهو ما يعكس استعدادًا ضمنيًا لإعادة النظر في الصور المتبادلة، خاصة مع تراجع قدرة فلول ومقاتلي حزب العمال الكردستاني ذوي الميول الانفصالية على التحكم في إنتاج الروايات.

في موازاة ذلك، تساهم التجارب المدنية الجديدة في إعادة تشكيل أنماط التفاعل، حيث خلقت الهجرة ووسائل التواصل الاجتماعي والتواصل الاقتصادي غير الرسمي مساحات جديدة يلتقي فيها السوريون خارج منطق الانقسام، مما يسمح بإعادة بناء الثقة بناءً على التجربة المباشرة وليس من خلال الخطاب السياسي المجرد. وضمن هذا التحول، تتجه شرائح واسعة من السوريين، مقارنة بالعام الأول للتحرير، نحو إعادة تعريف الآخر السوري كشريك في المعاناة وليس كمعارض سياسي. وهذا تحول يحمل أهمية كبيرة لأنه يؤسس لإمكانية ظهور خيال اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل ويشكل في الوقت نفسه أحد الشروط الأساسية لإنتاج السلام الأهلي المستدام.

ويقدم مفهوم «إعادة التصور المتبادل» قراءة مختلفة للسلم الأهلي، تضع التحولات الذهنية كشرط أساسي لضمان استدامة أي تسوية سياسية. ويتجاوز السلام في هذا السياق كونه دولة تفرضها ترتيبات رسمية، ليصبح عملية اجتماعية ناشئة تتشكل تدريجياً من رحم المجتمع، ويتغذى من تقاطع التجربة اليومية مع صنع المعنى المشترك. وهنا تبرز ضرورة بناء الثقة من خلال التفاعلات المباشرة وإنتاج الروايات التي تتحرك نحو المستقبل بدلاً من الاعتماد على الماضي، مع تمكين الجهات الفاعلة الجديدة التي تساهم في إعادة تشكيل المجال العام على أسس شاملة تحترم التنوع.

ويرتبط مستقبل الاستقرار السوري بقدرة السوريين على إعادة تعريف أنفسهم وعلاقاتهم وإنتاج قيم جديدة للحياة تتجاوز ثنائيات الصراع. تكشف القراءة أعلاه أن هذا المسار بدأ يتشكل فعلياً من خلال تغيير الخطاب والتصورات، مما يجعل إعادة بناء الصور المتبادلة ركيزة أساسية لأي مشروع وطني شامل ومدخلاً ضرورياً لإعادة بناء اللقاء السياسي على قواعد تضمن التماسك والاستقرار.

#إعادة #تصور #متبادل #في #سوريا

إعادة تصور متبادل في سوريا

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – إعادة تصور متبادل في سوريا

المصدر : www.enabbaladi.net

.