دستور نيوز
منى فياض
الاثنين 4 مايو 2026 – 09:46
المصدر: صوت لبنان
ربما لا يستطيع أحد يعيش في هذا البلد أن يكتب ببرودة تامة. نحن جزء من هذا القلق، وهذا التوتر، وهذا الخوف من الانزلاق. ولكن ربما لهذا السبب بالتحديد، يصبح من الضروري بالنسبة لنا أن نحاول فهم ما يحدث، وليس مجرد التأثر به.
لم تكن حادثة العجلة المتسلسلة مجرد مشكلة أمنية عابرة. ما انفجر في شوارع بيروت لم يكن لحظة غضب عفوية، بل كان تعبيراً حاداً عن شعور متراكم: أن الدولة عندما تقرر أن تكون قوية، لا تختار الزمان أو المكان أو الهدف بالتساوي.
وفي بلد يفترض أن يحكمه القانون، أصبحت المشكلة تتجاوز مسألة وجود السلطة من عدمها. يتعلق الأمر بكيفية ممارسة السلطة عندما يكون من الممكن القيام بذلك. فالقانون الذي يطبق بشكل انتقائي يفقد معناه ويتحول من أداة عدالة إلى أداة استفزاز.
ما يثير الغضب ليس أن الدولة طبقت إجراءً قضائياً، بل أن هذا التنفيذ جاء في سياق يعرفه اللبنانيون جيداً:
سياق تظهر فيه الدولة حدتها في أماكن، وتغيب أو تتراجع في أماكن أخرى، وعلى يد أشخاص لهم تاريخ في الاستفزاز الطائفي.
وفي هذا السياق يشعر المواطن أن القانون ليس مرجعية عامة، بل هو ممارسة غير متكافئة.
فحين يرى الناس أن ملفات حساسة -مرتبطة بالسلاح أو النفوذ- تدار بمرونة، بينما تطبق إجراءات أخرى بشكل حاد، فإن رد الفعل ليس قانونياً فحسب، بل نفسياً وسياسياً أيضاً. هناك شعور بأن هناك ميزانين: ميزان لأصحاب النفوذ، ومقياس للآخرين.
وفي هذا المناخ، لم تعد أي عملية أمنية مجرد إجراء. تصبح رسالة، حتى لو لم يكن المقصود منها أن تكون. ومن الضروري قراءتها ضمن سياق أوسع لفقدان الثقة.
وهنا تكمن خطورة ما حدث.
فالاحتقان الذي يظهر ليس حالة طارئة؛ إنه نتيجة تراكم طويل لمشاعر عدم المساواة أمام الدولة. عندما يقترن بأسلوب ميداني يُنظر إليه على أنه مهين أو ميليشيا، تصبح الشرارة حتمية تقريبًا.
المشكلة ليست في منطقة معينة، ولا في طائفة أو أخرى. المشكلة أن الدولة لم تنجح حتى الآن في إقناع مواطنيها بأنها تقف على مسافة واحدة منهم. وعندما تغيب هذه القناعة، يتحول أي احتكاك إلى اختبار، وأي خطأ إلى دليل، وأي حادث إلى أزمة.
وفي بلد يعيش أصلاً صراعاً مفتوحاً على السيادة ودور السلاح خارج مؤسسات الدولة – كما يتجلى في العلاقة المتوترة بين الدولة وحزب الله – تصبح مسألة العدالة أكثر حساسية. لأن أي تباين في تطبيق القانون لا يُقرأ على أنه خلل إداري فحسب، بل على أنه خلل في ميزان القوى نفسه، والذي يرتبط أيضاً بتوازنات إقليمية أوسع مع إيران.
ولذلك فإن ردود الفعل على ما حدث لم تكن مبالغ فيها كما يظن البعض. وكان ذلك، إلى حد كبير، تعبيراً عن خوف أعمق: أن تتحول الدولة من سلطة شاملة إلى حزب يُنظر إليه على أنه غير عادل في ممارسته للسلطة.
لا أحد يطالب بدولة ضعيفة.
ولكن الدولة القوية لا تقاس بقدرتها على تنفيذ التدابير، بل بقدرتها على تنفيذها بشكل عادل ومنصف.
القوة بدون عدالة لا تفرض الهيبة. بل إنه في نظر الناس شكل آخر من أشكال التحيز.
لبنان اليوم لا يحتاج إلى استعادة سلطة الدولة فحسب، بل إلى استعادة عدالتها أيضاً.
تبدأ العدالة بمبدأ بسيط: تطبيق نفس القانون، وبنفس الطريقة، على الجميع.
بدون ذلك، لن يكون هذا هو الحادث الأخير.
بل هي مجرد واحدة من سلسلة حوادث ستتكرر، ليس لأنها حتمية، بل لأن أسبابها لم تعالج بعد.
ما حدث يذكرنا بشكل غير مباشر بأجواء ما قبل الحرب الأهلية اللبنانية، لكن مع فارق مهم:
اليوم، لا أحد يريد الحرب، لكن هناك ديناميات قد تؤدي إليها من دون قرار واضح. يقف لبنان اليوم على أبواب انفجار من نوع جديد: ليس حرباً شاملة… بل تفككاً تدريجياً قد يشتعل في أي لحظة.
لبنان لا يعيش صراعاً على السلاح فقط.. بل يواجه خطر أن تتحول كل تفاصيله اليومية إلى ساحة لهذا الصراع.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#العجلة #السلسلة #ليست #صدفة. #بل #عدالة #مكسورة #صوت #لبنان #صوت #لبنان
العجلة السلسلة ليست صدفة.. بل عدالة مكسورة – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – العجلة السلسلة ليست صدفة.. بل عدالة مكسورة – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
