.

عالم الأسرة – “الكرافة”.. مفهوم مختلف للأخوة في الجزيرة السورية

اخبار الأسرهمنذ 3 ساعات
عالم الأسرة – “الكرافة”.. مفهوم مختلف للأخوة في الجزيرة السورية


دستور نيوز

عنب بلدي – خاص

تعتبر “الكرافة” أو “كرافاتي” من أبرز الظواهر الاجتماعية المتجذرة في منطقة الجزيرة السورية، حيث تحولت على مدى عقود طويلة من كونها طقسًا بسيطًا مصاحبًا لختان الذكور، إلى نظام علاقات اجتماعية متكاملة، تضاهي في قوتها روابط النسب، بل وتتفوق عليها أحيانًا من حيث الالتزام الأخلاقي والواجبات المتبادلة.

وتجسد هذه العادة نموذجاً فريداً للتعايش بين مكونات المنطقة من العرب والأكراد والسريان والإيزيديين، في بيئة عرفت تاريخياً بتنوعها الديني والقومي.

من طقوس دينية إلى رابطة اجتماعية

وتنشأ علاقة “الكرافة” عندما تختار أسرة “الكرافة” لطفلها، وهو شخص يتم اختياره بعناية، غالبا من خارج الأسرة أو حتى من مكون مختلف، بهدف توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية.

وخلال طقوس الختان، يوضع الطفل في حضن «الكاريف»، فيما تتساقط قطرات من دم الطفل على منديل أبيض أحضره الأخير، في إشارة رمزية إلى ظهور «أخوة الدم» بين الطرفين.

ولا تتوقف هذه العلاقة عند الطقوس، بل تمتد لتشمل التزامات طويلة الأمد، حيث يتم التعامل مع عائلة “الكريف” كجزء من الأسرة، وتفرض واجبات اجتماعية متبادلة على الطرفين، بما في ذلك المشاركة في حفلات الزفاف والعزاء، وتقديم الدعم في مختلف الظروف.

جذور تاريخية متعددة

وقال الباحث الاجتماعي أحمد السالم، إن “الكرافة” هي إحدى العادات ذات الجذور العميقة في المجتمع الإيزيدي، حيث كانت تستخدم كوسيلة لخلق روابط مع الطوائف الأخرى، خاصة في البيئات التي تشهد التنوع الديني والقومي.

وأضاف أن الروايات الشفهية تشير إلى أن هذه العادة انتقلت تدريجياً إلى المجتمعات العربية والكردية والسريانية في شبه الجزيرة السورية، لتصبح جزءاً من الثقافة المحلية، مع احتفاظها ببعض الرموز والطقوس الخاصة بكل مكون.

وبحسب الباحثة الاجتماعية، لعبت “الكرافة” دورًا مهمًا في التخفيف من حدة النزاعات، حيث خلقت نوعًا من التحالف الاجتماعي غير الرسمي، وإلزام الأطراف بالدفاع عن بعضهم البعض، وتعزيز الاستقرار المجتمعي.

الطقوس الاحتفالية تتغير مع مرور الوقت

وفي الماضي، كانت احتفالات “الكرافة” مصحوبة باحتفالات واسعة تستمر عدة أيام، قدمت خلالها رقصات شعبية على أنغام “الزرناية” و”الطبلة”، إضافة إلى تقديم الولائم والهدايا. وكان «الكريف» يأتي مع عائلته، ويحضر الهدايا والملابس للطفل، ويغطي تكاليف الختان.

ومع مرور الوقت، شهدت هذه الطقوس تراجعا ملحوظا، خاصة مع انتشار الختان في العيادات الطبية وتغير أنماط الحياة. إلا أن العلاقة نفسها لم تختف، بل استمرت بأشكال أبسط حافظت على جوهرها دون الالتزام بكل تفاصيلها التقليدية.

“الكرفة” في الوعي المجتمعي

وقال محمد العلي، وهو رجل مسلم من ريف الحسكة، إن “الكرافة” ليست مجرد عادة قديمة، “بل هي جزء من هويتنا الاجتماعية”، مضيفاً “عندما أكون خرافة لطفل، فهذا يعني أنني أصبحت مسؤولاً عن هذه العائلة، وأشاركها كل تفاصيل حياتها”.

وتابع: «هذه العلاقة مبنية على الثقة والاحترام، وهي أقوى من علاقات كثيرة أخرى، لأنها مبنية على التزام حقيقي بين الطرفين».

من جهته، يرى غابرييل حنا، وهو رجل سرياني من مدينة الحسكة، أن “الكرافة” تمثل أحد أهم مظاهر التعايش في الجزيرة، قائلاً “نحن نعيش في مجتمع متنوع، وهذه العادة ساعدت في بناء الجسور بين الناس، وجعلتهم يشعرون أنهم عائلة واحدة”.

وأضاف: “بالنسبة لي الكريف ليس مجرد صديق، بل أخ، نعيش معا في كل المناسبات، ونتشارك الأفراح والأحزان”.

“الكرافة” بين الإيزيديين والمسلمين

وفي ريف الحسكة الشمالي، يروي الرجل الإيزيدي خضر خليل تجربته مع “الكرافة”، قائلاً: “عندما قررنا ختان أبنائنا، اخترنا الكرافة من جيراننا المسلمين، لأننا نثق بهم ونعتبرهم جزءاً من حياتنا”.

وقال: «بالنسبة لنا، الكرافة ليست مجرد طقوس، بل هي رسالة تؤكد أننا قادرون على العيش معاً رغم اختلافاتنا».

كما قال أحمد المحمد، وهو رجل مسلم من نفس المنطقة، إن “دور كريف شرف كبير”، مضيفا “عندما طلب مني أن أكون كريف شعرت بمسؤولية كبيرة، لأن هذه العلاقة تعني أنني أصبحت جزءا من العائلة”.

وتابع: «لقد ورثت هذا التقليد عن والدي، وسأحرص على نقله إلى أطفالي، لأنه يعكس القيم التي نؤمن بها».

المرأة…حراس العادات

وتلعب المرأة دوراً محورياً في استمرارية “الكرافة”، وهو ما أكدته السيدة مدية علي، وهي امرأة كردية من ريف عامودا، قالت إن “المرأة هي التي تحافظ على هذه العلاقة من خلال التواصل المستمر بين العائلتين”.

وأضافت: «نتبادل الزيارات والهدايا، ونشارك في المناسبات، ونحرص على تعليم أطفالنا أهمية هذه العلاقة، لأنها جزء من ثقافتنا».

الأبعاد الدينية والاجتماعية

وأشار الباحث أحمد السالم إلى أن “الكرافة تحمل أبعادا دينية واجتماعية في الوقت نفسه”، موضحا أنه “في بعض المعتقدات الإيزيدية تكون هذه العلاقة سببا في تحريم الزواج بين عائلتين لعدة أجيال، لأنها تخلق نوعا من القرابة الرمزية”.

وأضاف أن هذا البعد يمنح «الكرافة» قوة إضافية، لأنه لا يقتصر على الجانب الاجتماعي، بل يمتد إلى القيم الدينية والأخلاقية.

ويرى السالم أن “الكرافة” ساهمت بشكل كبير في تعزيز التماسك الاجتماعي في الجزيرة السورية، مشيرًا إلى أنها خلقت شبكة من العلاقات المترابطة بين العائلات، ما ساعد في تقليل النزاعات وتعزيز روح التعاون.

وتابع أنه في المجتمعات التقليدية تعتبر هذه العادات أدوات فعالة لتنظيم العلاقات الاجتماعية، خاصة في ظل غياب مؤسسات رسمية قوية.

إرث يعكس روح الجزيرة

ورغم تراجع بعض جوانب «الكرافة»، أكد الباحث أحمد السالم أنها لم تختف، بل أعادت تشكيل نفسها لتتناسب مع الظروف الحالية، مضيفاً «اليوم قد لا نرى احتفالات كبيرة كما في السابق، لكن العلاقة بين العائلات لا تزال قائمة».

ويرى السالم أن ذلك يدل على أن “الكرافة” ليست مجرد طقوس، بل هي قيمة اجتماعية يمكن أن تتكيف مع الزمن.

“الكرافة” تعكس روح شبه الجزيرة السورية القائمة على التنوع والتعايش، وتظهر كيف يمكن للعادات المحلية أن تساهم في بناء مجتمع متماسك. فهو ليس مجرد تقليد موروث، بل هو نظام من القيم التي تجسد الاحترام والتضامن والترابط.

واختتم الباحث أحمد السالم قائلاً: “تثبت الكرافة أن المجتمعات قادرة على ابتكار حلولها الخاصة لتعزيز التعايش، وهي تجربة تستحق الدراسة، لأنها تقدم نموذجاً عملياً لما يمكن أن يكون عليه التعايش الحقيقي”.

بين الماضي والحاضر، تبقى “الكرافة” شاهداً حياً على قدرة أهل شبه الجزيرة السورية على الحفاظ على روابطهم الإنسانية، رغم كل التحديات، وتؤكد أن “أخوة الدم” ليست مجرد تعبير رمزي، بل واقع اجتماعي عاشته أجيال، وما زالت تحافظ عليه حتى يومنا هذا.

#الكرافة. #مفهوم #مختلف #للأخوة #في #الجزيرة #السورية

“الكرافة”.. مفهوم مختلف للأخوة في الجزيرة السورية

– الدستور نيوز

عالم الأسرة – “الكرافة”.. مفهوم مختلف للأخوة في الجزيرة السورية

المصدر : www.enabbaladi.net

.