دستور نيوز
خالد المطلق
بين مطرقة الاحتياجات المعيشية وسندان الحسابات السياسية المعقدة، تقف سورية اليوم أمام مهب «الخطوات الناعمة»، حيث لم يعد المشهد مجرد احتجاج على واقع خدمي متردي، بل تحول إلى رقصة غضب محمومة تعزف أنغامها من خلف كواليس الأجندات الخفية. الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في «صوت الاحتجاج» نفسه، بل في تلك المساحة الرمادية حيث تلتقي عفوية الشارع بهندسة التخريب الممنهجة، وحيث يتم استغلال الفجوات الإدارية وضعف الشفافية لتسميم «عصب الثقة» بين الدولة والمجتمع. في هذا المقال، نفك رموز الغيب لنفهم كيف يتم إعادة تدوير الأخطاء الحكومية لتصبح وقوداً للانفجارات الكبرى التي لا تبقى ولا تتفرق.
إننا أمام استعادة العديد من السيناريوهات التاريخية، حيث لم يبدأ التغيير بانقلاب قاس، بل بسلسلة من «الخطوات الناعمة» المدروسة، أولها تسريبات تخرج من قلب المؤسسات وإشاعات ممنهجة لتسميم الرأي العام وتضخيم الفجوات، والأهم من ذلك كله، ضرب «بذرة الثقة» بين الدولة والمجتمع. واليوم نرى نفس الأدوات ترفع رؤوسها في سوريا. إن التسريبات المستمرة والقرارات المفاجئة التي تفتقر إلى الاستعداد والشفافية، والاعتماد على الولاء وليس الكفاءة، كلها عوامل لا تضعف الأداء الإداري. فهو لا يحول الدولة إلى خصم في نظر الشارع فحسب، بل يخلق بيئة مثالية لمن ينتظرون خلف الكواليس إشعال فتيل الانفجار الكبير.
ومن الواضح أننا ننتقل من الخطأ إلى الأزمة ومن ثم إلى الانفجار. الأخطاء الإدارية أمر طبيعي في أي بلد، لكن الخطر يكمن في كيفية إدارتها. وفي الحالة السورية، سرعان ما يتحول الخطأ إلى أزمة، والأزمة إلى حالة من الغضب الشعبي ومن ثم إلى بيئة قابلة للاشتعال، وإدخال قرارات اقتصادية مفاجئة تمس حياة الناس اليومية دون تحضير، وإدارة القضايا الحساسة بما يزيد التوتر وغياب الشفافية، كلها عوامل تجعل من أي خلل إداري نقطة انطلاق لأزمة أكبر، وهنا يظهر الخطر، فالخطأ لم يعد مجرد خطأ، بل أصبح مادة جاهزة للاستثمار والتضخيم.
ومن هنا، لا يمكن قراءة ما يحدث بمعزل عن سياق الصراع الداخلي وما يحدث إقليمياً ودولياً. هناك قوى داخلية كالإخوان المسلمين، وقوى خارجية إقليمية وعربية ودولية ليس لها مصلحة في استقرار سوريا وتعمل على إبقاء الوضع في حالة من التوتر الدائم. إن وجود شبكات داخلية فقدت امتيازاتها قد يدفعها إلى عرقلة أي مسار جديد، وهذا التداخل بين الداخل والخارج يخلق بيئة معقدة تختلط فيها العفوية بالتخطيط ويصعب التمييز بين ما هو طبيعي وما هو موجه.
وأخطر ما في المشهد أن ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة اقتصادية أو اجتماعية، بل هو مزيج دقيق من الألم الحقيقي وإدارة غير مرئية لهذا الألم. هذه الإدارة لا تخلق الأزمة من الصفر، بل تستغلها، وتعيد توجيهها، وتدفعها نحو مسارات أخطر. وهنا تكمن المفارقة. فالناس يطالبون بحقوقهم المشروعة، لكن هذا الغضب نفسه قد يتحول دون وعي إلى أداة في أيدي أطراف أخرى تريد تنفيذ أجنداتها على حساب سوريا والسوريين.
تواجه سوريا اليوم لحظة حساسة. فإما أن يتم احتواء الأزمة من خلال استعادة الثقة، أو أن تستمر حالة التآكل البطيء، وهو ما قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. المطلوب ليس قرارات اقتصادية فحسب، بل تغيير في أسلوب إدارة الدولة للأزمة، وأولها الشفافية والتواصل المباشر والاعتماد على الكفاءة والفهم الحقيقي لمطالب المجتمع. ومن ناحية أخرى، يجب على المجتمع أن يدرك أن وعيه هو خط الدفاع الأول. ليس كل ما يُقدم بريئاً، وليس كل ما يُبالغ فيه يعكس الحقيقة كاملة.
في الختام، يواجهنا المشهد السوري بحقيقة مرّة، وهي أن «ما لا يُرى» في هذه الأزمة هو الأكثر فتكا. نحن لا نواجه أزمة اقتصادية مجردة، بل مزيج معقد بين المعاناة الإنسانية الحقيقية والهندسة السياسية غير المرئية. هذه الإدارة الخفية لا تخلق الأزمات من العدم، بل تلتقط الأخطاء الحكومية الفادحة وتعيد تدويرها كوقود للصراع، وتحول الغضب المشروع من أداة للإصلاح إلى أداة هدم في أيدي أطراف دولية وإقليمية أو حتى شبكات داخلية مدمرة ترفض أي طريق للتغيير الحقيقي إلا من خلاله. تقف سوريا اليوم على مفترق طرق تاريخي. فإما أن يتجه نحو استراتيجية «استعادة الثقة» التي تبدأ بالشفافية المطلقة، وتطهير المؤسسات من المحسوبية، وفتح قنوات حوار حقيقية تمتص آلام الناس بصدق، وإما أن يستمر في حالة من «التآكل البطيء» الذي لن يخلف في نهاية المطاف فائزاً واحداً.
لقد علمنا التاريخ أن الانهيارات الكبرى لا تحدث بضربة قاتلة مفاجئة، بل هي تراكم لثقوب صغيرة سكت عنها لفترة طويلة، فالرهان الحقيقي اليوم يقع على طرفين: الدولة التي يجب أن تدرك أن تغيير أسلوب الإدارة هو حبل النجاة الوحيد، ومجتمع لديه الوعي الكافي ليدرك أن آلامه مشروعة، لكن استغلال هذا الألم هو “فخ” نصب للوطن بأكمله، وأستطيع أن أقول إن أخطر ما يواجهنا ليس صوت الغضب، بل ذلك يصبح هذا الصوت هو النغمة التي يتم تشغيلها. من منا لا يريد أن تنهض سوريا من جديد؟
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#سوريا. #رقصة #الغضب #على #إيقاع #الأجندات #الخفية
سوريا.. رقصة الغضب على إيقاع الأجندات الخفية
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – سوريا.. رقصة الغضب على إيقاع الأجندات الخفية
المصدر : www.enabbaladi.net
