دستور نيوز
بقلم عبادة اللادن
“أساس ميديا”
وما لا يمكن تحقيقه بالآلة العسكرية يمكن تحقيقه بالآلة الاقتصادية. وهذا على الأقل ما تفترضه بعض مراكز الأبحاث في واشنطن. العرض الإيراني الذي قدم في الساعات الأخيرة قد يكون الإشارة الأولى إلى أن الساعة الرملية انقلبت في طهران.
فكك الرئيس الأميركي دونالد ترامب المعادلة التي فرضتها إيران عندما فرض حصارها على مضيق هرمز، فحرمها من شريان الحياة من عائدات النفط الذي يمد النظام بالحياة. ومع انقطاع الملاحة في المضيق، وملء الخزانات إلى طاقتها القصوى، بدأت إيران تلجأ إلى وسائل غير عادية لتخزين النفط في صهاريج عشوائية متهالكة، بينما تحاول في الوقت نفسه تصدير بعض الكميات إلى الصين عبر السكك الحديدية.
المعادلة قبل الحصار الأميركي كانت لصالح إيران. وبينما كان الحرس الثوري يمنع مرور الصادرات من دول الخليج، واصلت إيران تصدير نفطها بمعدل 1.85 مليون برميل يوميا طوال شهر مارس الماضي، متجاوزة معدل الأشهر الثلاثة السابقة بنحو 150 ألف برميل يوميا. واستفادت في الوقت نفسه من قفزة الأسعار، ومن قرار الإدارة الأميركية بإعفاء النفط الإيراني الذي تم تحميله سابقاً من العقوبات. وكانت القوات الأميركية تسمح للنفط الإيراني بالمرور عبر مضيق هرمز إلى شرق آسيا، لأنها لا تريد أن تتفاقم ندرة الإمدادات في الأسواق.
أقل من 600 ألف برميل يوميا
لكن مع بدء الحصار انقلبت المعادلة، وبدأ العد التنازلي بإيقاف الإنتاج في حقول النفط، مما أذقت إيران الكأس الذي أطعمت منه جيرانها في العراق والكويت وقطر على وجه الخصوص. وعلى الرغم من الدعاية الإيرانية التي تزعم أن أكثر من ثلاثين ناقلة نجحت في تجاوز الحصار، إلا أن البيانات تثبت عكس ذلك. وسبق أن عبرت معظم هذه الناقلات مضيق هرمز شرقاً، لكنها عادت أدراجها بسبب الحصار الأميركي، وبقيت عالقة في خليج عدن. أرقاماً، انخفضت معدلات تحميل النفط الإيراني إلى أقل من 600 ألف برميل يومياً بين 14 و23 أبريل/نيسان، وتبحث إيران عن كل مكان ممكن لتخزين إنتاجها في البر والبحر.
الحصار الأمريكي له تأثير مزدوج:
فمن ناحية يؤدي إلى مشاكل فنية كبيرة في تشغيل حقول النفط الإيرانية قد تضعف طاقتها الإنتاجية لسنوات طويلة، إذا وصل التخزين إلى طاقته القصوى واضطرت إيران إلى وقف الإنتاج. ولم تصل إيران إلى تلك المرحلة بعد، لكن تقديرات شركة البيانات كبلر تشير إلى أن طاقتها التخزينية ستستنفد بالكامل خلال عشرة أيام، وقد تزيد إلى 20 يوما مع إضافة الناقلات العائمة. وبعد ذلك، لن يكون أمام إيران خيار سوى خفض الإنتاج، حيث سينخفض الضغط في المكامن القديمة بالفعل، وقد يدخل إليها الماء والغاز.
في المقابل، يحرم الحصار طهران من إيرادات ضخمة بالعملة الصعبة، يقدرها دونالد ترامب بنصف مليار دولار يوميا، بينما يقدرها كيبلر بنحو 200 إلى 275 مليون دولار يوميا. ومع مرور الوقت، سيبدأ تأثير ذلك في الظهور، في ظل المشاكل الاقتصادية الكبيرة أصلاً داخل إيران، وقد يصل الأمر لاحقاً إلى حد الضغط على قدرة إيران على تمويل أذرعها في المنطقة.
ثلث المخزون عالق
لكن الأثر المالي قد يتأخر لأسابيع. وتملك إيران احتياطيا ضخما من النفط العائم على متن الناقلات، يقدر بحسب بعض المصادر بنحو 180 مليون برميل، أي ما يعادل مبيعات ثلاثة أشهر. إلا أن ثلث هذا المخزون عالق داخل منطقة الحصار الأمريكي في الخليج العربي وخليج عدن. وحتى الكميات العائمة خارج المضيق والتي تتجاوز 120 مليون برميل، لا تجد طريقها إلى السوق بسهولة، وحتى لو وجدتها، تواجه طهران صعوبات جديدة في تحويل عائدات المبيعات إليها، بسبب توتر علاقاتها مع الدول التي مر عبرها جزء كبير من هذه الأموال.
العبرة مما سبق هو أن معادلة الزمن تغيرت. وبينما كانت طهران تحسب خلال الحرب أن الاقتصاد العالمي لن يتسامح مع إغلاق مضيق هرمز لأكثر من بضعة أيام، وأن ارتفاع أسعار النفط سيضغط على إدارة ترامب لوقف إطلاق النار وتقديم التنازلات لطهران، يبدو الآن أن العالم يتأقلم مع أسعار النفط التي تجاوزت مائة دولار للبرميل.
معدلات التضخم المجنونة
الرهان الإيراني الآن هو على لعبة عض الأصابع. ومع مرور الأيام قبل أن تمتلئ احتياطياتها، على أمل سماع صرخة الاقتصاد العالمي على ندرة إمدادات النفط أولاً، تراهن الإدارة الأميركية على أن العالم قادر على توفير مصادر الطاقة الكافية للأشهر المقبلة، وترى أن تحمل أسعار النفط المرتفعة هو ثمن مناسب لدفع إيران إلى التنازل.
لكن السؤال المركزي: متى ستصرخ إيران؟
ويقدر بعض الدبلوماسيين الغربيين قدرة طهران على الصمود بشهرين أو ثلاثة أشهر. فإذا اضطرت إلى وقف الإنتاج، وتدهورت إيراداتها من العملة الصعبة، سيعود انهيار العملة إلى الواجهة، كما حدث في الأشهر التي سبقت الحرب، وستعود معدلات التضخم إلى الجنون، وستجد الدولة صعوبة في مواجهة الاستحقاقات الداخلية بعد الحرب، وهذه هي الوصفة المثالية لعودة الحركات الاحتجاجية.
وهذا ما يفسر مبادرة طهران لتقديم عرض مباشر لكسر الجمود في المسار التفاوضي لإسلام آباد. ويرتكز جوهر العرض على وقف الهجمات في هرمز أو إعادة فتح المضيق، مقابل إنهاء الحرب ورفع الحصار عن الموانئ، مع تأجيل مناقشة الملف النووي وتمويل الميليشيات في المنطقة.
أما المختلف فهو أن إيران عرضت في السابق فتح المضيق مقابل مكاسب استراتيجية كبيرة، بما في ذلك رفع العقوبات وإنهاء تجميد الأموال، بالإضافة إلى الاعتراف بسيادتها على المضيق.
ما تريده الآن هو الاستمرار في حالة من الركود، ولكن دون التعرض لضغط الحصار. وهذا في حد ذاته يؤكد أن «الدولة» الحالية أشبه بالساعة الرملية التي تراقبها إيران بقلق بالغ.
عبادة الله
#حصار #الحصار #متى #تصرخ #إيران #اقتصاديا
حصار الحصار: متى تصرخ إيران اقتصادياً؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حصار الحصار: متى تصرخ إيران اقتصادياً؟
المصدر : www.elsharkonline.com
