دستور نيوز
بقلم جوزفين ديب
“أساس ميديا”
ثلاثة مسارات متوازية تحكم المشهد اللبناني تتقاطع ظاهرياً، لكنها تتصادم في العمق، فيما تقف الدولة عاجزة بينها.
المسار الأول هو طريق «الحزب» الذي لم يعد يتصرف كجزء من السلطة بقدر ما يتعامل معها كمعارض. ولم يعد هذا التحول خفيا، بل أصبح علنيا في تصريحات صدرت خارج القنوات التقليدية للعلاقات الإعلامية، وتحديدا عبر الإعلام العسكري، وهو ما يعكس تحولا متعمدا في الخطاب من الشراكة إلى المواجهة السياسية.
ويأتي كلام الشيخ نعيم قاسم ليعزز هذا الاتجاه من خلال التأكيد على التمسك بالسلاح والاستعداد للصمود حتى النفس الأخير، في انتظار نتيجة المفاوضات الجارية في باكستان. وهنا لا يظهر السلاح كأداة دفاع فحسب، بل أيضاً كورقة تفاوض بامتياز.
هذا المسار برمته ظهر إلى النور مع إعادة الوجود العسكري لـ«الحزب» في الجنوب، مع انتشار أسلحته ومنصاته الصاروخية، ومع دعوات مباشرة وغير مباشرة للأهالي لمغادرة بعض القرى، ما أدى إلى موجة نزوح جديدة، وكأن الجنوب يُعاد تعريفه باعتباره ساحة للتفاوض بالنار، وليس مجرد منطقة تماس.
في هذا السياق، يسعى «الحزب» إلى إرساء معادلة واضحة: الصمود الميداني يعادل حق الجلوس على طاولة المفاوضات الكبرى. وكما قال بشير الجميل ذات مرة: «إن المقاومة اللبنانية هي التي تفاوض ولا أحد يفاوض عنها». ويبدو أن «الحزب» قرر ترجمة هذه القاعدة على طريقته، من خلال فرض نفسه لاعباً لا يمكن تجاوزه داخلياً أو إقليمياً عبر إيران دون أن يتمنى نهاية مماثلة للحزب.
طريق القوة
أما المسار الثاني فهو طريق السلطة التي حاولت أن تحدد بنفسها موقف الدولة من خلال قرارات واضحة، أبرزها حصر السلاح جنوب الليطاني واعتبار أي عمل عسكري خارج هذا الإطار عملاً غير قانوني. إلا أن هذه القرارات ظلت حبراً على ورق بسبب عدم القدرة على تنفيذها.
لم تكن حادثة ساقية الحنزير في بيروت تفصيلاً، بل كانت مؤشراً صارخاً على هشاشة الأداء الأمني وتآكل هيبة الدولة في ظل أجهزة لم تعد ولاءاتها موحدة، بل موزعة بين القوى السياسية. هكذا تدخل السلطة في أي مسار تفاوضي من دون أدوات القوة، وتحت ضغط قصف الخارج والانقسام في الداخل. طريق الدولة العميقة
ويبقى المسار الثالث، وهو الأخطر والأكثر ثباتا: طريق الدولة العميقة، التي لم تغادر قط، والتي تدير مفاصل القرار من خلف الستار، وكأنها دمى مسرحية تتغير فيها الوجوه وتبقى الأوتار كما هي.
هذه الدولة ليست مجرد شبكة مصالح، بل هي منظومة متكاملة من النفوذ السياسي والأمني والاقتصادي قادرة على تعطيل القرارات أو توجيهها، وعلى إعادة إنتاج نفسها في كل مرحلة. إنه يتكيف مع جميع التغييرات، ويظل اللاعب الأكثر ثباتًا، حتى عندما يبدو أن المشهد يتغير. ويبدو أن مصلحة الدولة العميقة اليوم هي الحفاظ على الوضع الراهن الضروري لاستمرار التقاطعات، وأي تغيير في معادلة السلاح والمال وفي توازن القوى الداخلي يتطلب إعادة خلط الأوراق.
بين هذه المسارات الثلاثة، يبدو لبنان بلا بوصلة. الجنوب ساحة مفتوحة، والدولة غائبة، والقرار منقسم بين القوى المتصارعة. كل شيء يحصل من دون أفق واضح، وكأن البلد يدار بردود فعل ارتجالية، وليس برؤية واضحة لوقف التدهور.
في النهاية، لا يبدو أن أياً من هذه المسارات لديه القدرة على الحسم، لكن الأكيد أن استمرارها على هذا النحو يعني إطالة أمد الخسارة… وربما تعميقها.
جوزفين ديب
#بين #السلطة #والحزب #الدولة #العميقة
بين السلطة و”الحزب”: الدولة العميقة
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – بين السلطة و”الحزب”: الدولة العميقة
المصدر : www.elsharkonline.com
