دستور نيوز
عنب بلدي – شعبان شامية
إن وجود الأجداد في حياة الطفل يشكل امتداداً طبيعياً لدائرة الأسرة مما يمنحه الشعور بالأمان والاستمرارية. ولا يعيش الطفل ضمن علاقة ثنائية مع والديه فحسب، بل يحتاج إلى شبكة أوسع من العلاقات الداعمة التي تغذي نموه النفسي والاجتماعي.
ومن هنا تأتي أهمية الأجداد ليس فقط كأفراد مهتمين، ولكن أيضًا كرموز للاستقرار والخبرة والحب غير المشروط. ولكن ماذا يحدث عندما يغيب هذا الدور؟
الدور النفسي للأجداد في حياة الطفل
المستشارة النفسية العائلية، الدكتورة هبة كمال العرنوس، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن الأجداد يمثلون مصدرًا إضافيًا للارتباط الآمن، إذ غالبًا ما يكونون أكثر هدوءًا وصبرًا وأقل انخراطًا في ضغوط التربية اليومية، ما يمنح الطفل مساحة للتعبير عن نفسه دون خوف من التقييم أو العقاب.
وهذا النوع من العلاقات، بحسب الاستشاري، يعزز إحساس الطفل بقيمته الذاتية ويمنحه تجربة مختلفة من الاحتواء العاطفي.
كما أن وجود الأجداد يخلق نوعاً من التوازن داخل الأسرة، بحيث لا يكون الأهل المصدر الوحيد للدعم النفسي.
تأثير غياب الأجداد على الأمن العاطفي
وعندما يغيب الأجداد، تضيق دائرة الدعم العاطفي المتاح للطفل، بحسب العرنوس. وفي الحالات التي يكون فيها الأهل مشغولين أو يعانون من الضغط النفسي، يصبح الطفل أكثر عرضة للشعور بالوحدة أو التوتر.
كما أنه قد يعتمد بشكل مفرط على الوالدين، مما يجعله حساسًا لأي تغيير في سلوكهم، حيث يظهر بعض الأطفال ميلًا للقلق أو يجدون صعوبة في تهدئة أنفسهم لأنهم لم يختبروا مجموعة كافية من مصادر الاحتواء.
التأثير على بناء شخصية الطفل
وهناك تأثير غير مباشر لغياب الأجداد على بناء شخصية الطفل، بحسب المستشارة، موضحة أن الطفل الذي ينشأ في بيئة غنية بالعلاقات يتعلم المرونة ويتكيف مع أنماط التفاعل المختلفة.
وفي غياب الأجداد، قد تقل فرص التعلم هذه، خاصة فيما يتعلق بالصبر والاستماع واحترام الاختلافات بين الأجيال.
لكن هذا لا يعني أن شخصية الطفل ستتضرر حتماً. بل يعتمد الأمر، بحسب العرنوس، على قدرة الأسرة على تعويض هذا الغياب بعلاقات صحية أخرى.
ويرى العرنوس أن للأجداد دوراً محورياً في نقل الذاكرة والقيم والتقاليد العائلية. ومن خلال قصصهم وتجاربهم، يتعرف الطفل على جذوره ويشعر بإحساس الانتماء إلى تاريخ أكبر منه.
وفي غياب هذا الارتباط قد تصبح الهوية العائلية أقل وضوحا، خاصة في المجتمعات التي تشهد تغيرا سريعا، نظرا لأن الطفل يحتاج إلى هذا التمديد من الوقت لبناء فهم متماسك لنفسه ومكانته داخل الأسرة.
انعكاساتها على النمو الاجتماعي للطفل
التفاعل مع الأجداد يعلّم الطفل مهارات اجتماعية دقيقة، بحسب الاستشارة النفسية العائلية، مثل الصبر واحترام الآخرين المختلفين في عمره وأسلوب حياته، بالإضافة إلى فهم الحفيد لآلية تكييف طريقة كلامه وسلوكه حسب الشخص الذي يتعامل معه.
وفي غياب هذه التجربة، قد يقتصر تفاعل الطفل على دائرة ضيقة من الأقران، ما يحد من مرونته الاجتماعية، بحسب العرنوس، لافتا إلى أنه يمكن تعويض ذلك من خلال الأنشطة المدرسية والجماعية إذا تم توجيه الطفل بشكل مناسب.
متى يكون غياب الأجداد أمرا إيجابيا؟
وأشار العرنوس إلى أن العلاقة مع الأجداد في بعض الأسر قد لا تكون صحية بسبب التدخل الزائد أو الاختلاف الحاد في أساليب التربية، معتبراً أن وجودهم في مثل هذه الحالات قد يؤدي إلى إرباك الطفل أو خلق صراعات بين القيم التي يتلقاها.
وهنا يصبح غيابهم أو قلة الاتصال بهم عاملاً يساعد على استقرار البيئة النفسية للطفل، بحسب الاستشاري. فالمهم ليس وجود الأجداد في حد ذاته، بل طبيعة ونوعية العلاقة معهم.
طرق تعويض غياب الأجداد
التعويض، بحسب العرنوس، لا يعني استبدال الأجداد، بل بناء شبكة دعم بديلة.
يمكن للوالدين تعزيز علاقة الطفل مع الأقارب الآخرين أو مع المعلمين والموجهين الذين يعتبرون قدوة إيجابية.
إن تخصيص وقت ممتع للطفل يلعب دورًا أساسيًا في تعويض نقص الدمج. ومن المهم أيضًا أن يحرص الأهل على خلق بيئة من الحوار المفتوح الذي يسمح للطفل بالتعبير عن مشاعره دون خوف أو حكم.
متى يصبح غياب الأجداد مصدرا للقلق؟
وأوضح المستشار النفسي الأسري، أن غياب الأجداد يصبح مقلقاً عندما يصاحبه ضعف عام في العلاقات الأسرية أو غياب الاستقرار العاطفي داخل المنزل.
وقالت إن ظهور علامات مثل الانطواء أو القلق المستمر أو صعوبة تكوين العلاقات لدى الطفل قد تكون مؤشرات على نقص الدعم النفسي.
في هذه الحالة، هناك حاجة إلى تدخل واعي من الوالدين أو استشارة طبيب نفسي لتعزيز التوازن العاطفي لدى الطفل.
واختتمت المستشارة النفسية العائلية حديثها لعنب بلدي، بالتأكيد على أن غياب الأجداد لا يعني غياب الأشخاص فحسب، بل قد يترك أثرًا عاطفيًا ورمزيًا مهمًا في حياة الطفل.
ورغم ذلك، لا يمكن اعتبار غياب الأجداد عاملاً حاسماً وحده في تحديد مسار التطور النفسي، بحسب العرنوس، إذ يبقى العامل الأهم هو نوعية العلاقات التي يعيشها الطفل بشكل يومي.
وعندما يشعر الطفل بأنه محبوب ومفهوم ومقبول داخل أسرته، يمكنه أن ينمو بشكل سليم حتى في غياب بعض الروابط التقليدية، بحسب الاستشاري، معتبرا أن الأسرة الواعية قادرة دائما على خلق بيئة بديلة توفر للطفل الدعم والأمان الذي يحتاجه.
متعلق ب
#غياب #الأجداد. #أثر #صامت #على #نفسية #الطفل #ونموه
غياب الأجداد.. أثر صامت على نفسية الطفل ونموه
– الدستور نيوز
عالم الأسرة – غياب الأجداد.. أثر صامت على نفسية الطفل ونموه
المصدر : www.enabbaladi.net
