دستور نيوز
المهندس بسام برغوت
يسعى الإنسان في هذه الحياة إلى فهم الأحداث والتغيرات التي تجري من حوله. فهو سعيد تارة ويحزن تارة أخرى. ويتساءل عن سر ما يحدث له، ولماذا تسير الأمور أحيانا ضد ما يرغب فيه. وهنا تتجلى حقيقة عظيمة يؤكدها القرآن الكريم، وهي أن الله تعالى قد جعل لكل شيء قدرا، فلا يقع حدث صغير ولا كبير في هذا الكون إلا بعلم الله وتقديره. والإيمان بهذه الحقيقة يمنح الإنسان الطمأنينة والرضا، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة تقلبات الحياة بثبات ويقين.
ومعنى “القدر” في الإسلام يدل على أن الله تعالى قد قدّر كل شيء في هذا الكون بعلمه وحكمته، وقدّر لكل أمر وقته ومكانه وكيفيته، وفق نظام دقيق لا ينحرف مهما بدا للإنسان غير ذلك. إن الله تعالى يعلم ما كان وما يكون وما سيكون، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وقال تعالى: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) (سورة القمر).
فالمؤمن يدرك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. وهذا هو الإيمان بالقدر الذي يحرره من القلق الزائد والخوف من المستقبل، لأنه يعلم أن كل ما سيحدث مكتوب ومقدر بالحكمة الإلهية. قال الله تعالى: (وما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله) (سورة التغابن). المصائب لا تذهب هباءً، بل هي جزء من قوانين الحياة التي وضعها الله ليختبر عباده ويرفع منزلتهم.
ومن ناحية أخرى، فإن الإيمان بالقدر لا يعني استسلام الإنسان للكسل أو ترك العمل. بل على العكس من ذلك، فإن الإسلام يدعو إلى اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله. فالإنسان مأمور بالعمل والسعي والسعي لتحقيق أهدافه، لكنه في الوقت نفسه يدرك أن النتائج بيد الله وحده. وهذا التوازن بين السعي والثقة هو ما يعطي للحياة معناها الحقيقي.
ومن يتأمل أحداث الحياة اليومية يجد دلائل كثيرة على دقة الحكم الإلهي. وقد يسعى الإنسان لتحقيق شيء معين، ويبذل فيه جهداً كبيراً، ثم لا يتحقق، في حين يتحقق له شيء آخر لم يكن يتوقعه. قد يظن أن هذه خسارة، لكنه يكتشف فيما بعد أن ما حدث كان خيراً له. ويؤكد ذلك قول الله تعالى: (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم) (سورة البقرة). يعلم الله ما لا نعلم، ويحدد الأمور بحكمته، والتي قد لا ندركها حينئذ.
كما أن الإيمان بالقدر يعلم الإنسان الصبر عند الشدائد، حتى لا يضطرب أو ينهار أمام المصائب، بل يتقبلها بالرضا والاستسلام. وهذا لا يعني أن الإنسان لا يشعر بالحزن أو الألم، فهذه مشاعر فطرية، ولكن الفرق يكمن في كيفية التعامل معها. فالمؤمن يرى في كل تجربة فرصة للتقرب إلى الله، وفرصة لاختبار صبره وإيمانه. قال تعالى: (وبشر الصابرين) (سورة البقرة)، وهذا الوعد الإلهي يحمل في طياته شرفاً عظيماً للصابرين المحتسبين.
جانب آخر مهم هو أن الإيمان بالقدر يبعد الإنسان عن الحسد والبغضاء، لأنه يدرك أن الأرزاق مقسمة، وأن الله هو الذي يعطي ويمنع. ولا ينظر إلى ما عند الآخرين بعين الحسد، بل يكتفي بما قسم الله له، ويسعى إلى تحسين حاله بالطرق المشروعة. قال الله تعالى: «ولقد قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا» (سورة الزخرف).
عندما يتعمق الإنسان في فهمه للقدر، يدرك أن كل مرحلة من حياته لها هدف، وكل تجربة يمر بها تحمل درساً محدداً. قد يكون الفشل طريقاً للنجاح، والخسارة قد تكون بداية لفرصة أفضل، والحرمان قد يؤدي إلى عطاء أكبر. وهذا الفهم يحوّل نظرة الإنسان للحياة من التشاؤم إلى التفاؤل، ويجعله أكثر مرونة في التعامل مع الظروف المختلفة.
كما أن الإيمان بالقدر يقوي علاقة الإنسان بربه، لأنه يدفعه إلى اللجوء إلى الله في جميع شؤونه سواء في الشدة أو الرخاء. وإذا واجهه ضيق يدعو الله أن يخفف عنه، وإذا أنعم عليه نعمة شكره عليها. وهذا التواصل المستمر مع الله يملأ القلب بالإيمان، ويقويه، ويجعل الإنسان يشعر بأنه ليس وحيداً في مواجهة الحياة.
ومن المهم أيضًا معرفة أن القدر لا يلغي مسؤولية الإنسان عن أفعاله. فهو مسؤول عن اختياراته ومطلوب منه التمييز بين الخير والشر. لقد أعطى الله الإنسان العقل والإرادة، وأظهر له الطريق، وترك له حرية الاختيار، لكنه في النهاية يعرف ماذا سيختار الإنسان. قال الله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا) (سورة الإنسان). وهذا يدل على أن الإنسان مسؤول عن أفعاله، حتى لو كان كل شيء مقدرا.
ختاماً،
إن الإيمان بأن الله قد قدّر لكل شيء هو من أعظم مصادر الطمأنينة في حياة الإنسان. يحرره من الخوف الزائد، ويمنحه القوة لمواجهة التحديات، ويجعله أكثر رضا بما قسمه الله له. وهذا المذهب ليس مجرد فكرة نظرية، بل هو أسلوب حياة ينعكس في سلوك الإنسان وأفكاره ومشاعره. وعندما يتأصل هذا الإيمان في القلب، يصبح الإنسان أكثر توازناً وثباتاً، ويعيش حياته بثقة ورجاء، مؤمناً أن كل ما يحدث له هو جزء من تدبير إلهي محدد، وأن الخير هو ما اختاره الله، حتى لو لم يظهر في البداية.
المهندس بسام برغوت
#حديث #الجمعة #إن #الله #قد #جعل #لكل #شيء #قدرا
حديث الجمعة: «إن الله قد جعل لكل شيء قدرا»
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – حديث الجمعة: «إن الله قد جعل لكل شيء قدرا»
المصدر : www.elsharkonline.com
