دستور نيوز
بقلم محمد السماك
“أساس ميديا”
فهل يسعى ترامب إلى صنع السلام الذي يفوز به بجائزة نوبل، أم إلى كتابة رواية جديدة تبرر حروبه؟ فهل يحاول تكرار تجربة تشرشل في كتابة التاريخ، أم أن زمن فرض الروايات تغير؟
عندما بدأ تمييز الخيط الأبيض عن الخيط الأسود مع فجر نهاية الحرب العالمية الثانية، التقى القادة الثلاثة الذين خاضوا الحرب معًا ضد ألمانيا النازية -الهتلرية- في مدينة بوتسدام. في ذلك اليوم، قال ونستون تشرشل لرفيقيه جوزيف ستالين وفرانكلين روزفلت: «التاريخ سيكون منصفًا لنا نحن الثلاثة».
وبدت على وجوه الرئيسين السوفييتي والأميركي علامات الدهشة، وسألوا: «كيف ذلك؟» فالرئيس ستالين متهم بقتل مئات الآلاف في التهجير الجماعي القسري إلى صحاري سيبيريا، حيث ماتوا من الجوع والبرد، والرئيس روزفلت متهم بأنه هو من أعطى الأمر بإلقاء القنابل النووية على مدينتي هيروشيما وناجازاكي في اليابان. وأدى انفجارهما إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين اليابانيين، وتحويل المدينتين إلى أنقاض. فكيف سينصفهم التاريخ وعلى أي أساس؟
ووجه الرئيسان السوفييتي والأميركي هذا السؤال إلى الثالث، رئيس الوزراء البريطاني، فكانت إجابته ببساطة: «لأنني أنا من سيكتب التاريخ».
مجلس غزة تمهيداً لجائزة نوبل؟
وبالفعل، بعد الحرب وبعد استقالته من منصب رئيس الوزراء، كرّس تشرشل نفسه لكتابة تاريخ الحرب العالمية الثانية وأسرارها الداخلية، ورأى أنه سيحصل على جائزة نوبل للسلام تقديراً لعمله. وبالفعل كرمته لجنة نوبل ومنحته جائزة نوبل للأدب وليس للسلام. الكتاب، الذي يقع في 600 صفحة، قصد مؤلفه أن يكون بمثابة قضية دفاع واقعية عن قرارات الحرب التي اتخذها الرؤساء الثلاثة. إلا أن اللجنة لم تأخذ الحقائق بعين الاعتبار، بل أخذت بالنص الأدبي الرفيع الذي عرف عن تشرشل. ولذلك كان لا بد من البحث عن طريقة أخرى لتبرير قرارات القتل الجماعي التي اتخذها ستالين وروزفلت. وكان هذا الأسلوب هو التركيز على وحشية الجرائم الجماعية التي ارتكبها النازيون، بما في ذلك المحرقة التي استهدفت يهود ألمانيا وأوروبا.
وبعد الحرب، انتقل اهتمام العالم من برلين المدمرة ومن رماد ناغازاكي وهيروشيما إلى نورمبرغ، حيث تمت محاكمة الجنرالات الألمان الذين شاركوا في الحرب في عهد هتلر.
بعد حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة بدعم عسكري وسياسي من الولايات المتحدة، حاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن يلعب دور تشرشل. وكانت مبادرته إنشاء مجلس للسلام في الشرق الأوسط تحت قيادته، على أمل الالتفاف على الاتجاه العالمي لإدانة بنيامين نتنياهو بارتكاب جريمة جماعية في غزة. وقد أدانته المحكمة الدولية بالفعل.
وتمكن الرئيس ترامب من تشكيل المجلس، وكان يأمل أن ينال نتيجة ذلك جائزة نوبل للسلام. لكن أوسلو لم تفتح أبوابها له، لا سيما بعد فتح ملفات «إيبستاين» بشأن الفضائح الأخلاقية التي يبدو أن ترامب ليس بعيداً عنها، أو لم يكن بعيداً عنها.
بعد الحرب العالمية الثانية، اتجه تشرشل إلى الكتابة الأدبية عن تاريخ الحرب. وكان كتابه “العاصفة المتجمعة”. بعد الحرب الإسرائيلية الثالثة على غزة، ذهب الرئيس ترامب إلى الحرب على إيران.
مجمع أوباما
وبوقوفه إلى جانب إسرائيل في الحرب الأولى، برر ذلك بالقول إن حماس منظمة إرهابية. وفي وقوفه إلى جانب إسرائيل في الحرب الثانية، كان تبريره هو أن النظام الإيراني نظام إرهابي يسعى لامتلاك سلاح نووي، مع العلم أن إسرائيل هي القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط (مفاعل ديمونة). وكانت إسرائيل قد عزمت على استخدام هذا السلاح عام 1973 ضد مصر -في عهد رئيسة الوزراء آنذاك جولدا مائير- بعد أن استعادت مصر قناة السويس وصحراء سيناء منها بالقوة العسكرية. ولولا التدخل العسكري الأميركي الذي غيّر موازين القوى العسكرية -الديبروست- على جبهة السويس، لما اقتنع مئير بعدم استخدام الأسلحة النووية. وفي ذلك اليوم، نُقل عن الرئيس السادات قوله: «أستطيع أن أحارب إسرائيل وأحاربها، لكن لا أستطيع أن أحارب أمريكا». ولذلك اضطر للذهاب إلى كامب ديفيد.
واليوم، وأياً كانت الأسباب الخلفية للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، فإن الهدف الرئيسي يتلخص في تجريد إيران من أي إمكانية للتحول إلى دولة نووية. وهذا يعني أن إسرائيل ستبقى المالك الوحيد لهذا السلاح في الشرق الأوسط.
ولعل الرئيس ترامب يدرك الآن أن لجنة نوبل للسلام لم تكن مقتنعة بأنه يستحق جائزتها على أساس وقف الحرب في غزة (هل الحرب توقفت فعلا؟!). ولذلك يحاول إقناعها بأن تجريد إيران من القدرة على إنتاج السلاح النووي يؤهله للفوز بالجائزة التي يحلم بها. فهل ستقتنع؟
في الواقع، يعاني الرئيس ترامب من عقدة سببها منح جائزة نوبل للسلام للرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما. ولا يذكره إلا على سبيل السخرية أو الإهانة، أسوة بالرئيس جو بايدن. ويعتقد ترامب (وربما يكون على حق) أن التدخل الأميركي في أفغانستان تسبب للولايات المتحدة في خسائر معنوية كبيرة (الانسحاب أعاد إلى الأذهان إذلال الانسحاب من فيتنام). فكيف يمكن لرئيس شارك في هذه الحرب أن يحصل على جائزة نوبل ويحرم منها؟ ثم يأتي هذا الحرمان في حساباته بعد أن شكل مجلس السلام في غزة (أين هذا المجلس الآن؟ أين السلام في غزة؟)، وبعد أن دمر إمكانات إيران النووية (هل دمرها حقا؟)، وبعد أن أعاد فنزويلا إلى «بيت الطاعة الأميركية».
ومن سوء حظ الرئيس ترامب أنه لم يعد يجد في أوروبا حليفا مثل تشرشل (أو حتى بدونه)، يسعى – أو على الأقل يفكر – في كيفية إنصافه كملك غير متوج للعالم.
محمد السماك
#ترامب #يبحث #عن #كاتب #تاريخ
ترامب يبحث عن كاتب تاريخ؟
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – ترامب يبحث عن كاتب تاريخ؟
المصدر : www.elsharkonline.com
