دستور نيوز
في أي لحظة يبدأ الضوء في التعرف على ظله؟ متى ندرك أن القصة لا تُروى بصوت واحد، بل بهمس يتسلل من الهوامش ليعيد ترتيب المعنى؟ كيف يمكن لشخصية عابرة أن تخزن حياة بأكملها وتترك فينا أثراً يفوق زمن وجوده؟ هل البطل حقاً هو من يقف في وسط الصورة، أم من يمر بها بخفة ويعيد تشكيلها من الداخل دون أن يراه أحد؟
في الدراما المغربية، لا تنشأ القصص من صلابة المركز فحسب، بل أيضا من ارتعاش الأطراف، ومن تلك المساحات والفراغات الصامتة التي تتقاطع فيها الأقدار وتتشابك الدلالات في نسيج خفي يشبه الحياة حيث تتشكل بعيدا عن الأنظار. هناك، حيث لا تصرخ الشخصيات، بل تنبض، وحيث لا تُقال الأشياء كاملة، بل تُفهم بشكل أعمق من اللغة.
الدور الثانوي ليس هامشا كما يبدو في الدراما المغربية، بقدر ما هو قلب خفي ينبض داخل السرد الدرامي والسينمائي، فيعطي للضوء معناه، ويعطي البطل هشاشته، ويعطي القصة بعدها الإنساني المنفتح. هل يمكن للمعنى أن يكتمل دون تلك الظلال التي ترافقه، أم أن الحقيقة تولد دائمًا من تواطؤ الصمت مع المظهر، ومن حوار غير مرئي بين ما يقال وما بقي معلقًا في أعماقنا؟
تقاطع الأقدار وتشابك المعاني
في قلب الدراما المغربية، أصبحت الأضواء مركزة على البطل المركزي، وتبنى روايات كبرى على كتفيه في العديد من الأعمال الدرامية والسينمائية. ويبقى الدور الثانوي كائنا خفيا، لكنه حاسم، يشبه الظل الذي يعطي للضوء معناه. ولا تمثل الأدوار الثانوية مجرد ملحقات درامية في تاريخ الدراما المغربية، بقدر ما هي بنية تحتية حساسة للنص البصري، بحساسيات مختلفة، تساهم في تشكيل الإيقاع، وتوسيع أفق المعنى، وتكثيف التوترات الإنسانية التي لا يتحملها البطل وحده.
لقد أدركت الدراما المغربية أن الشخصية الثانوية لا تمثل فائضا سرديا، بل هي ضرورة جمالية ووظيفية. فإذا كانت الحروف الجانبية والهامشية والعابرة تعتبر «حراس النغمة»، والبطل هو الجملة، فإن الدور الثانوي هو دور الترقيم الذي يمنع المعنى من الانهيار كما يقال. وتكشف هذه الرؤية عن وعي مبكر بأن التوازن الدرامي لا يمكن تحقيقه إلا من خلال شبكة من العلاقات التي تغذي النص وتعطيه كثافته.
ومن يتابع الأعمال الدرامية المغربية المنتجة حديثا سيلاحظ وجود مجموعة من الشخصيات التي لفتت الأنظار لحضورها الكبير، وتفاعل الجمهور معها في تطور رواياتها ضمن هذه الأعمال.
وتعتبر هذه الشخصيات الثانوية بمثابة اختبار حقيقي لعمق الكاتب، لأنها تظهر قدرته على خلق عوالم كاملة خارج مركز الضوء. وكلما تمت كتابة هذه الشخصيات بعناية أكبر، أصبح العمل أكثر انفتاحاً على التفسيرات المتعددة، ويحوله من قصة فردية إلى نسيج اجتماعي متكامل. ومن هنا فإن الدور الثانوي لا يعيش على هوامش النص، بل يعيش في أعماقه، حيث تتقاطع المصائر وتتشابك الدلالات.
العمل الدرامي لا يبحث عن ممثلين ثانويين، بل عن حياة كاملة تمر أمام الكاميرا، ولو للحظات. وتتجلى هذه الفلسفة بوضوح في العديد من الأعمال الدرامية المغربية، حيث تتحول الشخصيات الثانوية إلى مرايا متعددة تعكس إخفاقات البطل والشخصية الرئيسية وتكشف تناقضاتهما. إن حضوره ليس زمانيا فحسب، بل دلاليا أيضا، إذ يخلق طبقات من المعنى تتجاوز حدود المشهد القائم.
كما أنه في الدراما الجيدة، ليس هناك دور صغير، بقدر ما يوجد ممثل لم يكتشف بعد كيفية منح الشخصية الحياة الكاملة. هذه المقولة التي أصبحت بمثابة حكمة شائعة في الوسط الفني، تعكس إيمانا عميقا بأن قيمة الدور لا تقاس بمكانه الزمني، بل بقدرته على التأثير. وفي الأدوار الثانوية تكون هناك حرية أكبر في المخاطرة، لأن الممثل لا يتحمل عبء العمل الدرامي كاملا، لكنه يتحمل مسؤوليته الأخلاقية.
الأدوار الثانوية في تاريخ الدراما المغربية كانت في كثير من الأحيان مساحة للتمرد الجمالي والتجريب الأدائي. فنجد شخصيات مثل الممثل نبيل المنصوري الذي ظهر بقوة في ثلاثة أعمال درامية في وقت واحد. يتعلق الأمر بـ«لئا الطمع» و«الرحمة» و«المريض»، ولم يكن مجرد مؤيد للبطل، بقدر ما كان عقلاً استراتيجياً يتحكم في إيقاع القوة والتوازن داخل السرد. وتصبح هذه الشخصيات الجانبية في هذه الأعمال، كما في حالة الممثل محمد خربوشي وعبد الله البكيري، محط الأنظار من خلال مشاركتهما في مسلسل «عش الطمع». كما برزت الفنانة الشابة ضحى بنيوس، كما برزت هاجر الشرقي مع نعيمة بوزيد، برفقة الفنان والمنتج محمد الكاغات، من خلال تجسيدها لشخصية “الأستاذ عبد الرحمن” في الجزء الثالث من “بنات لالة منانة” كمحاور سردية قائمة بذاتها، تعيد تشكيل الزمن وتفكيك الخطية التقليدية. وهنا لم يعد الدور الثانوي تابعا، بل أصبح شريكا في إنتاج المعنى.
قليل من التاريخ، كثير من المثابرة
التجربة الدرامية والسينمائية المغربية مليئة بأسماء كثيرة انتقلت من الأدوار «الصغيرة» والثانوية نحو البطولة، مروراً بالهوامش، عبر أدوار صغيرة بدت في البداية عابرة لكنها حملت في داخلها بذرة التحول. الممثل في المغرب، كما في التجارب الدولية الأخرى، لا يولد بطلا ونجما ساطعا، بل يتشكل تدريجيا ضمن نسيج من الأدوار الثانوية التي تمنحه الحساسية والخبرة والقدرة على التقاط التفاصيل الدقيقة للشخصية.
ومن أبرز هذه المسارات تجربة هشام بهلول، وياسين أحجام، وسعيد باي، وسعد موفق، الذين بدأ الأخير منهم أدوارا ثانوية في التلفزيون والمسرح، قبل أن يتحول إلى أحد الوجوه البارزة في الدراما المغربية. كان حضوره في البداية يعتمد على الأدوار الداعمة، إلا أنه من خلال أدائه المتوازن استطاع أن يفرض نفسه تدريجياً كبطل قادر على تنفيذ العمل، خاصة في المهام الاجتماعية المعقدة.
كذلك نجد تجربة محمد مفتاح وعزيز دادس وعبد الله ديدان، الأخير منهم عمل لفترة طويلة في الظل، حيث قدم شخصيات ثانوية ولكن مؤثرة، قبل أن يصبح أحد الأسماء المكلفة بأدوار البطولة في الدراما التلفزيونية وفي السينما. تكمن قوته في قدرته على تحويل الدور الصغير إلى لحظة إنسانية مكثفة، وهو ما جعله محط اهتمام المخرجين وشركات الإنتاج.
في المقابل، تبرز الممثلة راوية بتاريخها الفني الطويل، ومريم الزعيمي، التي بدأت الأخيرة بأدوار خفيفة وثانوية، أغلبها في الكوميديا التلفزيونية، لكنها استطاعت تطوير أدواتها والانتقال إلى أدوار أعمق، لتصبح فيما بعد بطلة في عدد من الأعمال الناجحة. إن انتقالها بين أدوارها المختلفة، من البسيط إلى المعقد، حتى على الهامش، يعكس كونها معلمة تمثيل حقيقية. وهذا ما يؤكده حضورها البارز في دور حنان/ماريا في مسلسل “عش الطمع”.
أما فاطمة الزهراء بن ناصر، فقد خاضت أيضًا أدوارًا صغيرة في بداياتها، قبل أن تبرز بقوة في أدوار معقدة جعلتها من أبرز الوجوه النسائية في السينما والدراما المغربية. ما يميز طريقها هو قدرتها على الانتقال من الهوامش إلى المركز دون أن تفقد إحساسها الداخلي بالأداء.
ولا يمكن أن نتجاهل تجربة دنيا بوتازوت، وهند السعدي، وسحر الصديقي، ومونيا مكمل، وبداياتهن في أدوار ثانوية قبل أن تحجز مكاناً بارزاً في الإنتاجات الشعبية. ويعكس نجاحهم قدرة الممثل على استغلال الشعبية التي يمنحها له الدور الثانوي وتحويلها إلى قوة مركزية.
وتكشف هذه المسارات المتعددة، كنموذج ومثال، أن الأدوار الثانوية في الدراما المغربية ليست مجرد محطات عابرة، بقدر ما هي مساحات للتكوين والتجريب وإعادة اكتشاف الذات الفنية. وهي تشبه ما يمكن تسميته “المنطقة الصامتة” في الأداء، حيث يتعلم الممثل كيف يستمع أكثر مما يتكلم، وكيف يملأ المساحات الصغيرة بالمعنى.
ويمكن القول إن الانتقال من الدور الثانوي إلى دور البطولة في المغرب ليس قفزة مفاجئة، بل تراكم هادئ، يشبه الصعود البطيء نحو النور. كل ممثل أو ممثلة خاض هذه التجربة يحمل في داخله ذاكرة الهوامش، ذاكرة تمنحه عندما يصل إلى المركز تواضعا فنيا ووعيا عميقا بأن البطولة ليست منصبا، بل هي مسؤولية يتحملها ليكون صوت المجتمع.
بوابة لاكتشاف الممثلين العظماء
أعظم اللحظات في الدراما المغربية لا تأتي دائما من البطل، بل من تلك الشخصيات التي تمر كالومضة، لكنها تترك أثرا دائما. يأخذ هذا التصور بعين الاعتبار ما يمكن أن نطلق عليه “اللحظة الثانوية”، وهي لحظة مكثفة تختزل تجربة إنسانية بأكملها إلى مشهد عابر. إنها لحظة تتجاوز حدود الوظيفة السردية لتلامس جوهر التجربة الإنسانية.
الدراما المغربية الجديدة مليئة بالجوانب الديمقراطية في توزيع الضوء، إذ لم يعد البطل يحتكر المعنى، بقدر ما يتقاسمه مع شخصيات أخرى تشكل شبكة من الأصوات المتعددة. ويعكس هذا التحول تغيراً في الوعي الثقافي وأسلوب الكتابة والرؤية الدرامية المشبعة بالانفتاح، حيث لم تعد القصة تُروى من منظور واحد، بل تُروى من زوايا متعددة تعكس تعقيدات الواقع.
طوال تاريخ الدراما المغربية، غالبا ما كانت الأدوار الثانوية بوابة لاكتشاف ممثلين عظماء. بدأ العديد من الممثلين من أدوار هامشية، قبل أن يتحولوا إلى أبطال في الأعمال السينمائية والدرامية. وقد يكون الدور الثانوي أحياناً أكثر صدقاً، لأنه غير مثقل بالتوقعات. تكشف هذه التجارب أن الهامش قد يكون مركزاً مؤجلاً، بانتظار لحظة الانفجار.
الأدوار الثانوية ليست مسألة فنية فقط، فهي أيضًا تعبير عن رؤية فلسفية للعالم. وفي الدراما المغربية، يتقاطع الطموح والرغبة في النجاح مع الفردية والبعد الجماعي والاجتماعي، وتصبح هذه الأدوار تجسيدا لفكرة أن الحياة لا تختزل في بطل واحد، بل هي شبكة من العلاقات والتجارب المترابطة. كما أن القصة الحقيقية لا تكمن في ما يفعله البطل، بل في كيفية تفاعل الآخرين مع أفعاله.
ويمكن القول أن الدور الثانوي في الدراما المغربية هو اختبار خفي لصدق العمل الفني. وهو الفضاء الذي يظهر فيه وعي الكاتب، وحساسية المخرج، وجرأة الممثل. إنه ذلك الصوت الذي لا يرتفع، لكنه لا يختفي، والذي يمنح الصمت معناه، والحضور عمقه. ولعل لهذا السبب، تبقى الأدوار الثانوية، رغم تواضعها الظاهر، من أكثر عناصر الدراما المغربية صمودا، لأنها لا تبحث عن البطولة، بل عن الحقيقة.
ختاماً
لم تعد الأدوار الثانوية في الدراما المغربية مجرد ظلال عابرة في مجرى القصة، بقدر ما تتحول إلى ذاكرة خفية تحفظ نبضها وتمنحها امتدادها الإنساني العميق. هناك، في تلك المساحات حيث لا يعير الضوء الكثير من الاهتمام، تتشكل الحقيقة بهدوء، وتُكتب اللحظات الأكثر صدقًا دون ادعاء. البطولة لا تمثل موقفا ثابتا؛ إنها حالة موزعة بين الوجوه المشرقة والأصوات الغائبة، بين الكلام والصمت. وهكذا تبقى الدراما المغربية، في جوهرها، اعترافا بأن الحياة لا تروى من مركز واحد، بل من تلك الهوامش التي تعرف كيف تسمع، وترى، وتبقى.
#من #الهامشية #إلى #المركزية. #تحولات #الأدوار #الثانوية #في #الدراما #المغربية
من الهامشية إلى المركزية.. تحولات الأدوار الثانوية في “الدراما المغربية”
– الدستور نيوز
اخبار منوعه – من الهامشية إلى المركزية.. تحولات الأدوار الثانوية في “الدراما المغربية”
المصدر : www.hespress.com
