.

اراء و اقلام الدستور – بعد فشل الأمم المتحدة: هل يفتح مجلس السلام باب الخلاص للعالم؟

سامر الشخشير2 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – بعد فشل الأمم المتحدة: هل يفتح مجلس السلام باب الخلاص للعالم؟


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب
منذ تأسيسها عام 1945، تم الترويج للأمم المتحدة باعتبارها الإطار الأسمى لصون السلام والأمن الدوليين، وتجسيد حلم الإنسانية في عالم تحكمه القواعد، وليس قانون القوة. إلا أن مسار العقود الماضية، وخاصة السنوات الأخيرة، كشف بوضوح أن هذه المنظمة، رغم اتساع عضويتها ورمزية حضورها، فشلت في تحقيق جوهر رسالتها. فالحروب لم تتوقف، والصراعات لم تحل، ولا تزال دماء الأبرياء تسفك في أكثر من مكان حول العالم، في حين تقف الأمم المتحدة في كثير من الأحيان موقف الشاهد العاجز وليس الفاعل الحاسم.
وأبرز جوانب هذا الفشل هو العجز المزمن عن إنهاء الحروب. فمن فلسطين، حيث فشلت المنظمة في فرض القانون الدولي، أو حماية المدنيين، أو تحقيق حل الدولتين، إلى استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بالمأساة السودانية، وتصاعد التوترات في آسيا، تبدو الأمم المتحدة غير قادرة على ترجمة بيانات القلق وقرارات الإدانة إلى إجراءات رادعة. المشكلة ليست في غياب القرارات، بل في غياب الإرادة والآليات لضمان تنفيذها.
وهنا تتجلى المعضلة البنيوية الأخطر: لا توجد آلية فعالة لتنفيذ قرارات مجلس الأمن. وتبقى قرارات المجلس، حتى عندما تتخذ، رهينة لحسابات الدول الكبرى، من دون قوة تنفيذية مستقلة تفرض الالتزام بها. فلا يوجد جيش دولي حقيقي يخضع لسلطة دولية خالصة، ولا يوجد نظام أمن جماعي قادر على الردع، ولا يوجد نظام عقوبات يطبق بشكل عادل ومتسق. وهكذا تحولت الشرعية الدولية إلى نصوص معلقة، تتذرع بها عندما تخدم مصالح الأقوياء، وتهمل عندما تتعارض معها.
ويصبح هذا الخلل أعمق مع احتكار خمس دول فقط حق النقض. وهذا الامتياز، الذي مُنح في سياق تاريخي انتهى منذ زمن طويل، أدى إلى ترسيخ عدم المساواة داخل النظام الدولي وجعل مصير شعوب بأكملها مرهونا بإرادة القلة. فكيف يمكن الحديث عن عدالة دولية حقيقية في ظل نظام يمنح خمس دول القدرة على تعطيل إرادة المجتمع الدولي برمته؟ وهذا الخلل لم يفرغ الأمم المتحدة من فعاليتها فحسب، بل قوض ثقة الناس بها، وفتح الباب أمام البحث عن أطر بديلة أكثر عدلا ومرونة.
وفي هذا السياق، يبرز الرئيس الأميركي دونالد ترامب كنموذج مختلف في التعامل مع قضايا الحرب والسلام. وقد قدم ترامب، بشخصيته الصلبة ونهجه غير التقليدي، نفسه كزعيم يفضل النتائج على الشعارات، والعمل على الخطابة. وقد مكنته قدرته على كسر الجمود والدخول مباشرة إلى قلب الأزمات من المساهمة في إنهاء أو احتواء عدد من الصراعات التي عجزت الدبلوماسية التقليدية عن القيام بها لسنوات عديدة.
إن الثناء على سلوك ترامب لا ينبع من خلاف سياسي أو اتفاق، بل من قراءة واقعية لسلوكه القيادي. إنه رجل القرارات الصعبة، الذي لا يتردد في استخدام ثقله السياسي والاقتصادي لفرض مسارات جديدة نحو السلام. ولا تكمن قوته في النفوذ الأميركي الذي يمثله فحسب، بل في صلابته في التفاوض، ووضوحه في تحديد الأهداف، واستعداده لتحمل تكاليف القرارات الكبرى. لذلك، أصبح في نظر الكثيرين رمزاً للقيادة الحاسمة في زمن التردد الدولي.
لقد تمكن ترامب، خلال فترات قصيرة، من فتح مسارات السلام، وتعديل الأوراق في قضايا كانت تعتبر مستعصية. وفي اقتراح مبادرات جديدة في النظام الدولي، فإنه يعكس قناعة بأن العالم لم يعد يتحمل المؤسسات البطيئة والمعوقة، بل يحتاج إلى أطر قادرة على التحرك السريع واتخاذ القرار والتنفيذ. من هنا يمكن فهم الدعوات إلى إنشاء هياكل سلام بديلة أو موازية، على أساس الفعالية وليس البيروقراطية.
وفي قلب هذا المشهد، تظل غزة هي الجرح الأكثر إلحاحا. هذه المنطقة الصغيرة أنهكتها الحروب والحصار والدمار، ولم يعد أهلها يطالبون بشعارات أو بيانات إدانة، بل يطالبون بأبسط حقوق الإنسان: السلام والأمن والقدرة على العيش بكرامة على أرضهم. إن غزة اليوم ليست قضية سياسية مجردة، بل هي مأساة إنسانية مفتوحة، تلخص فشل النظام الدولي برمته في حماية المدنيين، وإيقاف آلة الدمار، وفرض الحد الأدنى من العدالة.
لقد أظهرت التجربة أن ترك غزة رهينة الأساليب التقليدية ودوامة القرارات غير المنفذة لا يؤدي إلا إلى تكرار الكارثة. فمع تدمير بنيتها التحتية، وتهجير شعبها، واستنفاد مواردها، لا يمكن إعادة بنائها بالوعود وحدها. إن غزة تحتاج إلى مشروع سلام حقيقي لا يقتصر على وقف إطلاق النار، بل يؤسس لاستقرار دائم، وإعادة إعمار شاملة، وأفق سياسي واقتصادي يضمن البقاء، وليس مجرد البقاء المؤقت.
وهنا تبرز أهمية الدور الأميركي، ليس فقط كطرف دولي، بل كقوة قادرة على التأثير والضغط وإحداث التحولات. عندما تقرر الولايات المتحدة القيادة، فإنها تمتلك الأدوات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تجعل مبادراتها قابلة للتنفيذ وليست للاستهلاك الإعلامي. لقد أظهر الرئيس دونالد ترامب، في أكثر من مناسبة، أنه على استعداد لاستخدام القوة لفرض مسارات جديدة، حتى لو اصطدمت مع البديهيات القديمة أو واجهت اعتراضات من قوى اعتادت على إدارة الأزمات بدلا من حلها.
لكن هذا الدور لا يكتمل دون شراكة عربية فاعلة. وغزة ليست مسؤولية أميركية وحدها، بل هي قضية عربية وإنسانية بامتياز. ويشكل الدعم العربي، سياسيا وماليا وتنمويا، الأساس الأساسي لأي مشروع إعادة إعمار أو استقرار طويل الأمد. إن الالتقاء بين الإرادة الأميركية القادرة على العمل، والإرادة العربية الحريصة على إنقاذ غزة وشعبها، يمكن أن يخلق معادلة جديدة تتجاوز عجز الأمم المتحدة، وتفتح بابا حقيقيا للأمل.
يقف العالم اليوم على مفترق طرق: إما الاستمرار في نظام دولي أثبت عجزه، ويحكمه الامتيازات وحق النقض، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة حيث الأولوية للفعالية على الشكل، والعدالة العملية على الشعارات. وفي هذا السياق تبدو القيادة القوية والواضحة القادرة على اتخاذ القرارات حاجة وليست ترفاً. قيادة لا تخشى كسر الجمود، ولا تتردد في مواجهة الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يظهر.
وفي الختام، غزة تلخص المعنى الحقيقي لهذه اللحظة التاريخية. إنها تحتاج إلى سلام لا يمكن مقايضته، وأمن لا يمكن تأجيله، وإعادة إعمار لا ترتبط بالمساومات. ولن يتحقق ذلك إلا بإرادة دولية جديدة، بقيادة الولايات المتحدة، وبدعم من الدول العربية، ومتحررة من قيود الآليات العالمية القديمة التي فشلت في إنصاف الضعفاء. عندها فقط يمكن أن نتحدث عن أفق سلام جديد، وعالم متغير تحكمه العدالة الفعلية وليس ميزان القوى وحده.
د. ابراهيم العرب

#بعد #فشل #الأمم #المتحدة #هل #يفتح #مجلس #السلام #باب #الخلاص #للعالم

بعد فشل الأمم المتحدة: هل يفتح مجلس السلام باب الخلاص للعالم؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بعد فشل الأمم المتحدة: هل يفتح مجلس السلام باب الخلاص للعالم؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.