دستور نيوز
عنب بلدي – مارينا مرهج
ويشهد المشهد الرقمي السوري تسريبات للبيانات الرسمية والشخصية، مما يشكل تهديداً مباشراً للخصوصية والسيادة الرقمية. ولقد وثقت التقارير النشر الميداني والفني لقواعد البيانات والوثائق الرسمية، بما في ذلك صور جوازات السفر والسجلات المدنية، بالإضافة إلى ملفات إعدادات الخادم الحساسة والبيانات الداخلية للوزارات والمؤسسات الحكومية.
ولم تظل البيانات محصورة في الأماكن المظلمة على الإنترنت فحسب، بل عرضت للشراء والتداول عبر منصات “الويب المظلم” والقنوات العامة على “تيليجرام”، وسجلت مجموعات على الشبكات المظلمة نشر حزم بيانات كاملة تباينت أسعارها حسب حجمها وحساسية محتواها.
وتظهر هذه البيانات أن الاختراق لم يكن حدثا عابرا، بل هو عملية منظمة استهدفت نقاط الضعف الهيكلية في البنية التحتية الرقمية في سوريا.
ليست حالة مثيرة للقلق
مسؤول في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (طلب عدم نشر اسمه) أكد في حديث إلى عنب بلدي أن التفاصيل المطروحة حول هذا الموضوع لا تعكس بالضرورة واقعًا مزعجًا، بل هي ضمن متابعة حثيثة من قبل مختصين داخل البلاد.
وكشف المسؤول أن الجهات المعنية تعمل ضمن خطة مرحلية لمعالجة هذه الملفات تباعا وفق أولويات زمنية محددة وخطط عمل مدروسة.
وتابع أن حماية هذه المواضيع تمثل جزءا من الجهد الحالي، في إطار عمل مؤسسات الدولة لتعزيز منظومة الأمن الرقمي وحماية البيانات الوطنية الحساسة.
من جانبه، قال مدير مركز أمن المعلومات في وزارة الاتصالات السورية، جهاد العلا، في حديث إلى عنب بلدي، إن المعلومات المسربة ذات قيمة في معظمها، وإن إعادة نشرها تأتي ضمن حملة إعلامية مكثفة.
ولم ينف العلا وجود تحديات في البنية التحتية الرقمية، مشيراً إلى أن الوزارة اليوم تمتلك بنية تحتية رقمية حقيقية يتم تطويرها بشكل مستمر، وأنها وضعت عدة خطط في هذا المجال وتواصل تنفيذها بخطوات متتالية.
كما تعمل الوزارة على توعية المواطنين بقضايا الأمن السيبراني، من خلال إرسال رسائل عبر مزودي خدمات الهاتف المحمول، وكذلك عبر المقابض الرسمية للوزارة على وسائل التواصل الاجتماعي، بهدف التحذير من الهجمات التي تستهدف الأفراد أو الحسابات المصرفية، سواء في القطاع الخاص أو الحكومي.
وتم إنشاء نقاط اتصال وتنسيق بين وزارة الاتصالات وجميع الجهات الحكومية، لضمان الاستجابة السريعة لأي طارئ، بحسب العلا، مضيفًا أنه تم إطلاق خطة وطنية للتفتيش الشامل والدوري على المواقع الحكومية، وأن هذه الخطوات وصلت الآن إلى جميع المؤسسات ويجري تنفيذها بالتعاون معها.
تنشر إدارة التوعية السيبرانية بمركز أمن المعلومات بالهيئة الوطنية لخدمات تكنولوجيا المعلومات بيانات توعوية عبر المعرفات الرسمية للوزارة، كان آخرها التوعية بمفهوم “الدفاع في العمق” المكون من سبع طبقات من الحماية، مشيرة إلى أنه في عالم التهديدات الإلكترونية المتقدمة، لم يعد الاعتماد على حل أمني واحد كافيا لحماية البيانات والأنظمة، بالإضافة إلى منشورات تعريفية عن أهم المصطلحات المستخدمة في الأمن السيبراني، والتحذيرات من بعض الثغرات الأمنية ضرب أنظمة معينة، مع نصائح لإصلاحها وتفاديها، بحسب ما رصدته عنب. بلدي.
بيانات حديثة عن “الويب العميق”
الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة Focal
وبحسب درويش، فإن التسريبات لا تقتصر على معلومات قديمة، بل تشمل أيضا بيانات حديثة لا تزال متاحة ومتداولة على “الويب العميق”، وهي شبكة لا مركزية بطبيعتها، ما يجعل عملية إزالة المحتوى المنشور عليها أو التحكم فيه شبه مستحيلة.
وأشار إلى أن استمرار تسرب البيانات في بلد يوصف بأنه معزول إلكترونيا منذ سنوات، يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف الوعي العام بقضايا حماية البيانات الشخصية، إذ لا يدرك الكثير من السوريين خطورة المعلومات التي يتبادلونها عبر الإنترنت، أو يستهينون بسبل حماية حساباتهم الشخصية.
كما أشار إلى أن الكثير من المواطنين ليس لديهم الوعي الكافي للتمييز بين ما يمكن مشاركته علناً وما يجب حمايته، خاصة في المعاملات المالية الإلكترونية.
ولعبت بعض الجهات والأشخاص المرتبطين بالنظام السابق دورا في تسريب بيانات محددة بدوافع انتقامية، بحسب ما قال درويش، مضيفا أن التسريبات لم تكن من مؤسسات حكومية كبرى كما يشاع، بل من نطاقات أضيق شملت دوائر رسمية صغيرة أو أجهزة محمولة لموظفين تم القبض عليهم عبر روابط وهمية لخدمات إلكترونية معروفة مثل “شام كاش” وغيرها، ما جعلها مصدرا غير مباشر لتسريب البيانات الحساسة.
وعن الجدل الدائر حول فائدة هذه البيانات، يرى درويش أن القيمة الفورية لأغلبها محدودة، لكن لها طابع استثماري لدى بعض الجهات التي تشتريها على أمل استخدامها لاحقا لأغراض مختلفة، مشيرا إلى أن الاستخدام الأكثر انتشارا اليوم يتركز في التزوير والاحتيال الإلكتروني، إذ تساعد البيانات المسربة على إنشاء هويات مزيفة أو تسهيل أنشطة غير مشروعة.
قريباً…استراتيجية وطنية للأمن السيبراني
وأشار مدير مركز أمن المعلومات في وزارة الاتصالات السورية إلى أن هذا المجال يحتاج إلى “جيش من الخبراء” في مراكز البيانات والعمليات والأمن السيبراني. لذلك، تعمل الوزارة مع عدة جهات على تأهيل الكوادر وإعدادهم للمرحلة المقبلة، لافتة إلى أن الأنظمة الحالية تحت السيطرة، لكن الاستعدادات مستمرة لمواكبة “الثورة الرقمية” المقبلة.
وكشف أن الوزارة أعدت بالتعاون مع خبراء سوريين مسودة “استراتيجية وطنية للأمن السيبراني”، ويتم مناقشتها مع الجهات الحكومية المعنية تمهيداً لإطلاقها قريباً، وتنظيم هذا القطاع من قوانين وتشريعات واستراتيجيات.
وبحسب العلا فإن المرحلة المقبلة ستشهد فتح المجال أمام الشركات الخاصة المحلية والدولية للعمل في مجال الأمن السيبراني، فيما يقتصر دور الوزارة على وضع الأطر التشريعية والإدارية والحوكمة، بحيث يكون الأمن السيبراني في سوريا قائماً على كامل الخبرات السورية والتدريب الوطني.
واختتم مدير مركز أمن المعلومات كلمته بالتأكيد على أن السيادة الرقمية قضية وطنية لا يمكن السكوت عنها، موضحاً أن استضافة أي بيانات أو أنظمة تابعة للقطاع الحكومي خارج الدولة ممنوعة منعا باتا، ويجب أن تكون جميعها داخل مراكز البيانات الوطنية أو داخل مراكز البيانات التابعة لكل جهة، حفاظا على أمن المعلومات وحماية البيانات الشخصية.
خطوات تأمين البنية التحتية الرقمية
بينما تعمل سورية على تأمين بنيتها التحتية الرقمية قبل الانطلاق في مرحلة المعاملات المصرفية الإلكترونية، قال الرئيس التنفيذي ومؤسس شركة فوكال
فتح ملف “هجرة الأدمغة” واستقطاب الكفاءات السورية في الخارج عبر عروض واقعية ومغرية، والاستثمار الجاد في الموارد البشرية داخل البلاد، مع الإشارة إلى أن العديد من الشركات الأجنبية تتعامل مع “مستقلين” سوريين ذوي خبرات عالية وأجور منخفضة.
تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص ومراقبة دخول الأجهزة مثل “روزبيري” وأجهزة مسح المجال المغناطيسي التي قد تستخدم في عمليات الاقتحام.
ومن الضروري إنشاء فرق متخصصة في الأمن المالي الرقمي، تقوم بإجراء عمليات تفتيش دورية لبنية تطبيقات البنوك والعمل على سد الثغرات الأمنية، بالإضافة إلى تنظيم ندوات توعوية تحت إشراف متخصصين وخبراء في الأمن السيبراني تستهدف عامة الناس والمهتمين.
وعلى المستوى التشريعي، سن قوانين صارمة خاصة بالجرائم الإلكترونية، تجرم أي انتهاك أو اختراق رقمي، سواء من خلال المنصات أو المواقع الإلكترونية أو التطبيقات، والاقتداء جزئيا باللائحة الأوروبية العامة لحماية البيانات (GDPR)، حيث تحتوي على معايير واضحة لحماية خصوصية المستخدمين.
تخصيص محكمة أو فريق قضائي متخصص في الجرائم الإلكترونية، يخضع لتدريب فني مكثف، لضمان فهم طبيعة الجرائم الرقمية وتعقيداتها.
وضع معايير أكثر صرامة للجهات التي تقدم التدريب في مجال البرمجة والأمن السيبراني داخل الدولة، للحد من انتشار المحتوى التدريبي الضعيف أو غير الأكاديمي الذي يساهم في نشر المفاهيم الخاطئة.
تشكيل فرق رقابية تتابع الأنشطة المشبوهة على وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة المجموعات التي تروج علناً لصفقات الأسلحة أو المعاملات المالية غير القانونية، مؤكداً أن تتبع معظم هذه الحسابات ليس بالصعوبة التي قد يتصورها المرء.
وعلى المستوى الفردي، ينبه درويش إلى أن الوعي الرقمي لم يعد رفاهية أو تخصصاً تقنياً، بل أصبح واجباً عاماً لا يقل أهمية عن الوعي الصحي أو الاقتصادي، لحماية النفس والأسرة والعمل من المخاطر المتزايدة.
ومع تحرك سوريا نحو التحول الرقمي بوتيرة متسارعة، تزداد احتمالية وجود ثغرات كبيرة ومتعددة، مما يجعل من الضروري الاستفادة من كل فرصة للتعلم والمشاركة في الندوات المتخصصة في مجال الأمن السيبراني.
وقدم المدير التنفيذي، خلال حديثه لعنب بلدي، توصيات عملية للسوريين، أبرزها:
لا تشارك أي معلومات مصرفية مع أي جهة أخرى غير البنك نفسه، وتجنب فتح الروابط المشبوهة مهما كانت الإغراءات، ولا تقم بتنزيل التطبيقات من المتاجر الرسمية الخارجية مثل “Google Play” و”Apple Store”. وحتى لو تم الإعلان عن تطبيق جديد من شركة كبيرة، فلابد من تنزيله فقط من المتجر الرسمي المعتمد، لأن الشركات الجادة ترفع تطبيقاتها على منصات تتحقق من سلامتها.
عدم الوقوع في فخاخ “الهندسة الاجتماعية” التي تستغل احتياجات السوريين، عبر الوعود الكاذبة بالمنح أو السفر أو الدعم المالي، والتحقق من أي جهة قبل مشاركة أي معلومات شخصية أو مالية.
متعلق ب
#البيانات #السورية #في #مهب #الشبكات #المظلمة
البيانات السورية في مهب الشبكات المظلمة
– الدستور نيوز
اخبار التكنولوجيا- البيانات السورية في مهب الشبكات المظلمة
المصدر : www.enabbaladi.net
