دستور نيوز
بقلم أيمن الجزيني
“أساس ميديا”
إن الخطابات السياسية، في لحظات الانهيار التاريخي، ليست مجرد تعبيرات عن مواقف آنية، بل هي، في أعمق معانيها، آليات لإعادة إنتاج السلطة في ظروف تآكلها. وهكذا فإن كلمة رئيس الجمهورية جوزاف عون في بكركي بمناسبة «أحد القيامة» لا يمكن قراءتها كإعلان سياسة، بل كتمرين خطابي يهدف إلى ترميم التصدعات في شرعية الدولة.
خطاب رئيس الجمهورية لم يظهر كإعلان سياسة بقدر ما بدا كتمرين على إدارة القلق الجماعي. وجاء في لحظة تتداخل فيها مستويات الانكشاف الثلاثة: انكشاف الدولة على الخارج، وانكشاف المجتمع على نفسه، وانكشاف السلطة على عدم قدرتها على السيطرة الكاملة على مجرى الأحداث. لذلك، لا يمكن قراءة هذا الخطاب كموقف ظرفي، بل كنص كاشف عن طبيعة الدولة اللبنانية في زمن الحرب: دولة تتكلم كثيراً لأنها لا تستطيع أن تفعل ما يكفي. وتراوحت كلماته بين اللغة والخوف من الوطن ومن نفسه، وحاول حماية لبنان بالكلمات.
في الصواب السياسي، ألقي الخطاب في لحظة حرب على لبنان، وفي مساحة يتقاطع فيها الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي وتعدد مراكز القرار السيادي. لكن المهم فيها ليس محتواها المباشر فحسب، بل بنيتها العميقة: كيف تنتج السلطة خطابها عندما تفقد قدرتها على الفعل؟ كيف تتحول اللغة من أداة تعبير إلى أداة تعويض؟ وكان الخطاب تعبيراً عن الخوف على لبنان وانفجاره نتيجة تناقضاته البنيوية، لا سيما فيما يتعلق بمفهوم السلم الاهلي.
تضامن الخوف وليس الإيمان
إعلان عون أن «السلم المدني خط أحمر» لم يكن وصفاً لواقع قائم بقدر ما كان يدعو إليه كقيمة عليا. فالسلم المدني، في السياق اللبناني، ليس معطى بنيوياً، بل فكرة تعاد صياغتها باستمرار لحماية مجتمع لم ينجح قط في التحول إلى مجموعة سياسية متماسكة.
في علم الاجتماع السياسي، تقوم المجتمعات على أنظمة القيم المشتركة التي تنتج التضامن. لكن في الحالة اللبنانية، يبدو هذا التضامن أقرب إلى ما يسميه إميل دوركهايم «التضامن السلبي»، أي التضامن المبني على الخوف من الانهيار وليس على الإيمان بالمشترك. ومن هنا فإن رفع السلم الأهلي إلى مرتبة «الخط الأحمر» لا يدل على قوته، بل على هشاشته. والقيم التي تحتاج إلى هذا القدر من التركيز هي في كثير من الأحيان تلك المعرضة لخطر الانهيار.
السلم الاهلي في لبنان ليس حالة مستقرة، بل هو توازن هش يتكرر يوميا من خلال البيانات، وليس من خلال المؤسسات. إن هذا التحول للسلم المدني إلى «مقدس سياسي» يكشف عن مفارقة جوهرية: كلما ارتفعت نغمة التحذير، كلما دل ذلك على هشاشة القضية التي يتم التحذير منها. في هذا السياق، تتحول الدولة إلى ما يشبه «حارس الخطوط الحمراء»، وليس صانع استقرار. ولا يعالج أسباب التوتر، بل يسعى للسيطرة على نتائجه. وهنا يظهر البعد الاجتماعي العميق للمسألة: فالسلم المدني في لبنان ليس نتاج عقد اجتماعي متماسك، بل هو نتيجة توازن قلق بين فئات مدنية تخشى الانفجار أكثر مما تؤمن بالعيش المشترك.
هل الأمن بديل للسياسة؟
ويلاحظ في الخطاب توجهاً واضحاً لإسناد مهمة حماية السلم المدني إلى الأجهزة الأمنية والعسكرية. وهذه ليست مجرد إشارة فنية، بل إنها تعبير عن تحول أعمق: تحول مركز الثقل من السياسة إلى الأمن.
وعندما تصبح المؤسسة العسكرية الضامن الرئيسي للاستقرار، فإن هذا يعني ضمناً أن السياسة فشلت في إنتاج إجماع مستدام. وهنا يأخذ الخطاب بعداً إشكالياً: هل يمكن للأمن أن يحل محل السياسة أم يؤجل الانفجار فقط؟ وتشير التجربة اللبنانية، كما تجارب العديد من الدول، إلى أن الأمن قادر على ضبط الإيقاع، لكنه غير قادر على زيادة الحياة السياسية. أي أنه يمنع الانفجار لكنه لا يمنع أسبابه.
وعون يربط بين إثارة النعرات الطائفية وخدمة إسرائيل. ويعكس هذا الارتباط تقليداً قديماً في الخطاب السياسي اللبناني، حيث تُفهم الأزمات الداخلية من خلال مرآة الخارج. لكن هذا التفسير، رغم صحته الجزئية، يخفي بعداً أساسياً: الطائفية في لبنان ليست مجرد أداة في يد الخارج، بل هي بنية داخلية متجذرة في النظام السياسي والاجتماعي.
إن اختزال الفتنة إلى عامل خارجي يؤدي إلى نتيجتين خطيرتين: إزالة مسؤولية النخب المحلية عن إنتاج الانقسام، وتعطيل أي محاولة لإصلاح النظام من الداخل. بمعنى آخر، يتحول الخارج إلى حجة تفسيرية، بينما يبقى الداخل محصناً ضد النقد الراديكالي.
إن الدفاع الحاد عن الجيش، الذي شنه عون، ليس مجرد موقف سياسي، بل هو محاولة لإعادة بناء «مركز» رمزي للدولة. وفي ظل تفكك المؤسسات، يصبح الجيش «آخر بقايا» من فكرة الدولة الموحدة. لكن هذا الدور ينطوي على مخاطر: تسييس المؤسسة العسكرية، أو تحميلها ما لا تستطيع تحمله. ولكي يبقى الجيش عنصر استقرار، عليه أن يكون فوق الصراعات، وليس في قلبها.
وخصص جزءاً لافتاً للدفاع عن الجيش مستخدماً لغة قاسية: «من قاوم الجيش فهو بلا كرامة». ويعكس هذا التشدد أمرين: الوعي بتراجع الثقة في المؤسسات، ومحاولة إعادة بناء شرعية الدولة من خلال المؤسسة العسكرية. في السياق اللبناني، غالباً ما يُنظر إلى الجيش على أنه المؤسسة الأخيرة التي توحد الدولة. لكن تحويله إلى بؤرة الصراع السياسي قد يضعه في موقف حساس. ومراراً وتكراراً، لكي يبقى الجيش عنصر استقرار، عليه: تحييده عن التوترات، وعدم إدخاله في معركة كلامية مع المعارضين السياسيين. ومن الواضح أن الخطاب يميل نحو التوجه الأمني، حيث تكون الأجهزة والمؤسسات العسكرية هي الضامن الأول للاستقرار. لكن التجربة اللبنانية أثبتت أن الأمن، في غياب التسوية السياسية العادلة، يتحول إلى مسكن مؤقت لا أكثر.
هل الدبلوماسية خيار ملح؟
يشكل تصريح عون عن «جر لبنان إلى حروب لا علاقة له بها» إحدى أشد لحظات الخطاب، إذ يحمل إقراراً ضمنياً بوجود قرار الحرب خارج الدولة. لكن هذا الاعتراف لا يكتمل بسؤال السلطة: إذا لم تكن الدولة صاحبة القرار فمن يكون؟ ما هو موقعه الفعلي؟ وهنا تتجلى أزمة السيادة في أوضح صورها: دولة تعترف ضمناً بحدودها، لكنها لا تملك الأدوات اللازمة للتغلب عليها.
تحمل هذه العبارة في طياتها نقداً سياسياً واضحاً، حتى لو جاء بشكل غير مباشر. ويشير مرة أخرى إلى مشكلة كبيرة في النظام اللبناني: تركز القرار في قضايا الحرب والسلام في يد جماعة هي بحكم تعريفها «حزب» موالي لإيران. لكن هذا الاقتراح يطرح سؤالاً جوهرياً: إذا كان لبنان قد انجر إلى الحرب، فمن يملك القرار لمنعها؟ وهنا تتجلى أيضاً حدود السلطة الرسمية: الاعتراف بالمشكلة، دون القدرة على معالجتها. إنها معادلة مألوفة في لبنان: التشخيص الدقيق مقابل عدم القدرة على التنفيذ.
ويعتمد الخطاب على القانون الدولي في إدانة الاعتداءات الإسرائيلية، في إشارة إلى المادة الرابعة من اتفاقيات جنيف. ومع ذلك، فإن هذه اللغة القانونية، على الرغم من أهميتها، تعكس القيود المفروضة على الأدوات المتاحة للدولة. غالبًا ما يكون القانون الدولي، في سياق الشرق الأوسط، مرجعًا أخلاقيًا، وليس أداة تنفيذية. وهنا يظهر التناقض: الدولة تعتمد على شرعية القانون، لكنها تفتقد القوة التي تجعل هذا القانون فعالا.
أيمن الجزيني
#جوزف #عون #في #بكركي.. #لبنان #عندما #يلجأ #إلى #الكلمات
جوزف عون في بكركي… لبنان عندما يلجأ إلى الكلمات
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – جوزف عون في بكركي… لبنان عندما يلجأ إلى الكلمات
المصدر : www.elsharkonline.com
