دستور نيوز
بقلم جوزفين ديب
“أساس ميديا”
ولم يعد لبنان ساحة مستقلة في هذه الحرب. المعادلة أصبحت واضحة: «حزب الله» يقاتل على مسار مرتبط بإيران، بينما إسرائيل تقاتل على أساس فصل المسارات وحل ملف أسلحتها بشكل كامل. بين هذين الخيارين، يدفع لبنان ثمن حرب لا يملك القدرة على حسمها.
هناك وجهان لخطاب «الحزب»، طرف يتحدث عن الاستعداد للتفاوض والحد من السلاح ضمن ما يسمى الاستراتيجية الوطنية، مقابل تثبيت الأمن وإعادة إعمار الجنوب، وهو ما عبر عنه النائب محمد رعد في مقالته الأخيرة، وجانب آخر يتحدث عن معركة كربلاء لا تفاوض فيها إلا في الميدان.
وفي الحقيقة كلا الرأيين صحيحان، ولكن لكل منهما وقته. الموقف الأكثر واقعية في هذه المرحلة هو أنه لن تكون هناك مفاوضات خارج الميدان، ولا وقف للحرب قبل وقف الحرب على إيران. لكن هذه المعادلة تنطوي على مخاطر كبيرة على لبنان وبيئته الوطنية عموماً والشيعة خصوصاً. ولذلك فإن الرهان اليوم على مكاسب الغد لا يمكن وصفه إلا بالمقامرة.
طهران و”الحزب”: ربط المسارات
كلام رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، كان واضحا، وكذلك تصريحات قائد “فيلق القدس” إسماعيل قاآني، حول “وحدة الساحات” وربط الجبهات. لذلك لا تخفي إيران ربطها الساحة اللبنانية بمصير الحرب التي تخوضها.
بموازاة ذلك، تشير كل المعطيات المتعلقة بالتيار «الحزبي» في لبنان إلى رفضه التفاوض في المرحلة الحالية، فالأولوية هي على الميدان ونتائج المواجهة المتعلقة بإيران، على أن يتم الحديث عن كل شيء لاحقاً، كما يقول أحد المقربين من «الحزب».
ولذلك، فإن كل المبادرات التي طرحت سابقاً باءت بالفشل، سواء تلك التي حاولت الدولة اللبنانية إطلاقها من خلال تشكيل وفد للتفاوض المباشر مع إسرائيل، أو المبادرات الدولية التي وصلت من مصر وألمانيا وقبرص، وعبر المنسقة الخاصة للأمم المتحدة جانين بلاسخارت. ولهذا السبب أيضاً، جدد الرئيس نبيه بري تأكيد معارضته للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل، مشدداً على أنه لا ينبغي أن يكون هناك تفاوض قبل وقف الحرب وتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بكل بنوده، بدءاً بضبط الحدود. حتى الانسحاب الكامل، وإلا فإن شرعية استمرار «الحزب» في القتال تبقى سارية المفعول.
وعليه، لا توجد مبادرات أو جهود جادة في الوقت الحاضر، بعد أن عادت الوفود الدولية بأوراق عامة وبنود أولية لا تخرج عن إطار «قطع الوقت»، في انتظار نتيجة الحرب في إيران ومصير النظام هناك.
وحتى ذلك الحين، سيبقى «الحزب» يراهن على أن إيران لن تتخلى عنه، وسيواصل إصدار البيانات حول إطلاق الصواريخ، لتتحول كل مواجهة، حتى لو بدت انتحارية في وجه الدبابات الإسرائيلية، إلى جزء من رواية «الصمود والانتصار». وأي خسائر تتكبدها القوات الإسرائيلية أو أي منشأة داخل إسرائيل ستستخدم كوقود لمواصلة القتال والرهان على الصمود، إن لم يكن على تحقيق النصر.
إسرائيل: الحرب مستمرة ولا داعي لربط المسارات
في المقابل، تفصل إسرائيل ملف لبنان عن ملف إيران بشكل كامل. أي اتفاق محتمل بين واشنطن وطهران لن ينسحب تلقائياً من الساحة اللبنانية. رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو متمسك بموقف واضح: توسيع المنطقة العازلة جنوباً، انطلاقاً من الاعتقاد بأن لا نهاية للحرب إلا بنزع سلاح «الحزب» بشكل كامل، سواء في جنوب الليطاني أو شماله، وصولاً إلى البقاع وسطه وشماله.
ولذلك فإن ربط الحزب مساره بإيران يعني عملياً استمرار الحرب الإسرائيلية على لبنان، حتى لو امتدت لأشهر. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن اعتقاد الحزب بأن انتهاء الحرب في إيران سيؤدي تلقائياً إلى نهاية الحرب في لبنان هو تقدير خاطئ.
في الوقت نفسه، تبدو واشنطن، المنشغلة بأولوياتها الاستراتيجية المتعلقة بأمن الممرات البحرية والطاقة العالمية، غير مستعدة لممارسة ضغوط حاسمة على إسرائيل فيما يتعلق بالملف اللبناني.
وتضيف المصادر أن «الحزب لا يزال أمامه خيار الحد من الخسائر المتتالية»، كما كان أمامه في بداية «حرب الدعم» خيار الانسحاب من جنوب الليطاني، أو لاحقاً خيار تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار مقابل الشروط المطروحة.
بعد حرب 2024، لم يكن الإصرار الدولي على تنفيذ الدولة اللبنانية لبنود الاتفاق، دون مراوغة، محض صدفة. ولم يكن من قبيل المبالغة التحذير من حرب أكثر عنفاً. لبنان اليوم وسط العاصفة، دون أي بصيص أمل واضح للخروج منها.
والأخطر أن ما يأتي قد يكون أشد إذا استمر ما تصفه المشاهد الدبلوماسية بسياسة «الانتحار». إسرائيل لن تنسحب، ولن توقف حربها أو تدميرها للقرى الجنوبية، ولن تفتح الباب لعودة الجنوبيين إلى أرضهم، قبل أن تحقق هدفها المعلن: إزالة سلاح «الحزب» وتحويله إلى حزب سياسي. وهو القرار الذي يبدو حتى الآن غير قابل للرجوع عنه، في ظل رغبة إسرائيل في إغلاق ملف لبنان نهائيا.
لبنان بين طريقين
بين هذين المسارين يقف اللبنانيون: يقتلون ويشردون ويواجهون أزمات اجتماعية واقتصادية خانقة، مع ارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة واتساع نطاق الفقر. ولا يبدو أن الحرب هذه المرة تتجه نحو نهاية مماثلة لسابقاتها، عندما تم فرض اتفاق وقف إطلاق النار من دون قرار. والنهاية هذه المرة مختلفة: فإما أن يؤسس لاستقرار طويل الأمد يفتح الباب أمام إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي، أو يؤدي إلى مرحلة أعمق من الخراب والانهيار.
جوزفين ديب
#لبنان #بين #حربين #رباط #إيراني #وقرار #إسرائيلي
لبنان بين حربين: رباط إيراني وقرار إسرائيلي
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – لبنان بين حربين: رباط إيراني وقرار إسرائيلي
المصدر : www.elsharkonline.com
