.

اراء و اقلام الدستور – فهل تنجح «الشبكة الباكستانية» الإسلامية في كبح جماح الحرب؟

سامر الشخشير2 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – فهل تنجح «الشبكة الباكستانية» الإسلامية في كبح جماح الحرب؟


دستور نيوز

بقلم أمين قمورية
“أساس ميديا”
أوصلت المعركة على مضيق هرمز والبنية التحتية للطاقة، الحرب بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى لحظة الذروة، بعد أن تجاوزت تداعياتها المسرح الإقليمي إلى المسرح العالمي، حيث أثرت على شرايين التجارة الدولية وأسواق الطاقة والاقتصاد. وفي خضم هذا التصعيد، برز فجأة قرار خفض التوتر والبحث عن خيارات عقلانية تفتح قنوات اتصال، مع رسم خطوط حمراء رفيعة المستوى تحدد حدود الاشتباك وتمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
وظهرت اتصالات بقيادة باكستان ومصر وتركيا، بمشاركة المملكة العربية السعودية، في محاولة لفتح فتحة في الجدار المغلق بين الإيرانيين والأميركيين، وللمساعدة في إنزال الطرفين من الأشجار العالية التي رفعا إليها أحوالهما. ويعكس دخول الدول الإسلامية الأربع محاولة جادة للبحث عن نافذة أمل لوقف الحرب وإعادة المتقاتلين إلى طاولة الحوار.
بطاقات القوة والقدرات
ولا يرتبط هذا الخيار بقدرة هذه الدول على نقل الرسائل فحسب، بل يرتبط أيضًا بموقعها ضمن ميزان القوى، وامتلاكها قنوات اتصال مع الأطراف المعارضة، بالإضافة إلى قدرتها على توفير مخارج سياسية تحفظ ماء الوجه وتسمح بالتراجع التدريجي دون تكلفة سياسية باهظة. وفي بيئة شرق أوسطية شديدة الاستقطاب، فإن الوسيط الأكثر فعالية هو الذي يستطيع التحدث إلى الجميع دون أن يُنظر إليه على أنه طرف في الصراع. ومن هنا يتوزع الدور بين مصر والمملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، بما يضمن توازن الضغوط والضمانات المتعددة.
وتمتلك الدول الأربع أوراقاً فعلية تؤهلها للقيام بهذه المهمة. وتحافظ مصر، باعتبارها ممثلا للقوة العربية التقليدية، على علاقات ممتدة مع أطراف الحرب، أبرزها الإدارة الأمريكية، وما يرتبط بها من قنوات الاتصال القائمة مع تل أبيب وحكومة بنيامين نتنياهو، رغم أن هذه العلاقات شهدت مؤخرا قدرا من التوتر. وفي الوقت نفسه، تحتفظ القاهرة بمستوى مقبول من العلاقات مع طهران، وهامش من المصداقية يجعلها أقل استفزازاً من بعض العواصم الخليجية، وأقل تصادمياً أيديولوجياً من بعض القوى الغربية.
ولمصر مصلحة مباشرة في نجاح هذا المسار، في ظل الضغوط الشديدة التي تواجهها قناة السويس، أحد أهم شرايين الاقتصاد المصري، بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية والأمنية واللوجستية التي يشكلها تهديد أمن البحر الأحمر، مما يضع الأمن القومي والاقتصادي المصري تحت ضغوط متزايدة.
وتنبع أهمية المملكة العربية السعودية من كونها الطرف الإقليمي الأكثر تأثراً بنتائج هذا الصراع، وفي الوقت نفسه الأكثر قدرة على التأثير في مساراته. وتقع المملكة عند تقاطع الجغرافيا الاستراتيجية للطاقة والمعادلات الأمنية الخليجية، وتتمتع بشبكة علاقات قوية مع واشنطن، إضافة إلى موقعها المتقدم في العالمين العربي والإسلامي. ولأن أي صراع أميركي إيراني يهدد بشكل مباشر أمن إمدادات الطاقة، فإن ذلك يمنح الرياض ثقلاً استراتيجياً لدى الولايات المتحدة وأوروبا والاقتصاد العالمي، وأي تصعيد واسع النطاق قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار أو انقطاع الإمدادات، مما يدفع القوى الكبرى إلى تفضيل دور سعودي يساهم في احتواء التوتر وفتح قنوات التفاوض.
في الوقت نفسه، تبدو المملكة العربية السعودية، قائدة التحول العربي، من أكثر الدول وعياً بتكلفة الحرب الشاملة، نظراً لتعرضها المباشر لمخاطر التهديدات الإيرانية، والتداعيات التي قد تترتب على أي مواجهة واسعة النطاق على استقرار الخليج ومشاريعه الاقتصادية الكبرى. لذلك، تميل الرياض نحو مقاربة تقوم على احتواء إيران بدلاً من الإطاحة بها، وخفض التوترات بدلاً من إثارة مواجهة مفتوحة، وإدارة المنافسة ضمن قواعد اشتباك منخفضة المخاطر. وهذا النهج يجعل موقفها مقبولاً نسبياً، في حين تتمتع بنفوذ سياسي وأمني داخل هيكلية صنع القرار الأميركي، ما يمنحها القدرة على الدفع نحو المسارات التفاوضية بدلاً من الخيارات العسكرية.
أما تركيا فتستفيد من موقعها كقوة إقليمية تمتلك شبكة علاقات معقدة مع الشرق والغرب تسمح لها بتوسيع نطاق حركتها بين المعسكرات المختلفة. وهي عضو في حلف شمال الأطلسي ولها علاقات مهمة مع واشنطن. وفي الوقت نفسه، تحتفظ بقنوات عمل مع طهران، بالإضافة إلى الخبرة السياسية في إدارة التوازنات المعقدة بين الخصوم. فهي تتمتع بالقدرة على الجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة، وتطمح إلى تعزيز دورها كوسيط دولي في الصراعات الكبرى، مستفيدة من خبرتها في مسارات تفاوضية متعددة. وهكذا تمثل تركيا نموذجاً للوسيط القادر على ضبط الإيقاع السياسي عندما تتعثر القنوات التقليدية.
وأخيرا، تشكل باكستان إضافة نوعية لشبكة الوسطاء، نظرا لعلاقاتها الجيوسياسية مع إيران، بالإضافة إلى علاقاتها القوية مع دول الخليج، وعلاقاتها المتنامية مع الولايات المتحدة، مما يجعل إسلام أباد واحدة من أكثر العواصم قدرة على أداء دور قناة اتصال غير مباشرة، خاصة مع ما تردد عن إمكانية احتضانها لجولات مقبلة من المفاوضات. وتكمن أهمية الدور الباكستاني في قدرته على توفير مسار هادئ يسمح بتمرير الرسائل الحساسة واختبار الأفكار الأولية بعيدا عن الضجيج السياسي. بالإضافة إلى مميزاتها النووية وجغرافيتها الحدودية مع آسيا الوسطى والصين.
الوسطاء المتعددون: المزايا والخيارات لتقليل المخاطر
إن تعدد الوسطاء يمنح الأطراف المتصارعة عدداً من المزايا، أبرزها تقليل مخاطر الفشل من خلال توزيع قنوات الاتصال، وإتاحة اختبار المقترحات عبر أكثر من وسيط، وتجنب الإحراج السياسي في حال التراجع عن المواقف المتطرفة، بالإضافة إلى خلق توازن نفسي يمنع أي طرف من الشعور بالعزلة. ويسمح هذا النموذج للقوى الكبرى بإدارة الأزمة من الخلف، مع الحفاظ على مسافة سياسية تقلل من تكلفة المشاركة المباشرة.
ويعكس اختيار الدول الأربع التوجه نحو إدارة الصراع، وليس حله بسرعة، من خلال شبكة من الوسطاء الذين تتكامل أدوارهم، بحيث يصبح تعدد القنوات جزءا من آلية خفض التوتر. فالأزمة، رغم خطورتها، لا تزال قابلة للاحتواء، في حين أن تكلفة الانفجار الشامل تبدو أعلى بكثير من تكلفة التسويات المؤقتة.
إن نجاح الوساطة، إذا تحقق، قد يمنح الدول الأربع نفوذاً إقليمياً أوسع وحضوراً دولياً أكثر ثقلاً، مما يعيد وضع القوى الإقليمية كلاعب رئيسي في إدارة الأزمات الكبرى. في حرب بهذا الحجم والتعقيد، لم يعد يكفي للوسيط أن يلعب دور نقل الرسائل. بل المطلوب منه المساهمة في صياغة إطار سياسي يسمح بخفض التصعيد وتوفير الضمانات المتبادلة.
فالولايات المتحدة تحتاج إلى وسطاء يتمتعون بثقل سياسي يسمح لهم بممارسة قدر من الضغط على طهران، بينما تبحث إيران عن طرف قادر على تقديم ضمانات لوقف إطلاق النار، ومنع الالتفاف على أي مسار تفاوضي، ومنح أي تفاهم محتمل غطاء إقليميا أوسع. ومن هنا فإن دور الوسطاء يتجاوز وظيفة “ساعي البريد” التقليدية نحو دور أكثر تأثيرا في صياغة توازن جديد بين المصالح والمخاطر.
التحديات الإيرانية والأميركية والإسرائيلية
وعلى الرغم من الأدوات التي يمتلكها الوسطاء، فإن مهمتهم معقدة للغاية. وتشير طبيعة التوجه الإيراني إلى التزام واضح برفع سقف الشروط، انطلاقا من ما تعتبره طهران نجاحا في منع الولايات المتحدة وإسرائيل من تحقيق أهدافهما، واستمرارها في استخدام أوراق الضغط الإضافية عبر حلفائها، مما عزز ثقتها في صلابة موقفها.
ومن هنا تبدو مطالبها عالية، سواء على صعيد إنهاء الحرب رسمياً، أو الحصول على ضمانات لمنع تكرار الهجمات، أو المطالبة بالتعويضات، فضلاً عن التشدد في رفض أي ضرر جوهري لبرنامجها الصاروخي. وهي شروط تتعارض بشكل كبير مع التوجه الأميركي، خاصة في ظل تنامي نفوذ الحرس الثوري داخل بنية صنع القرار في طهران. في المقابل، لا تزال واشنطن تتعامل مع فكرة التفاوض من موقف السعي إلى فرض شروطها كاملة، وهو نهج قد لا يتوافق تماماً مع التعقيدات الميدانية وحسابات التكلفة الاستراتيجية. ويبقى الموقف الإسرائيلي عاملاً مؤثراً في ظل الدور الذي يمكن أن تلعبه حكومة بنيامين نتنياهو في خلط الأوراق إذا رأت أن أي تسوية لا تحقق أهدافها.
لكن بعض المراقبين يراهنون على عامل الطاقة وأسعار الغاز وأمن الملاحة في الممرات البحرية، كعناصر ضغط قد تدفع أطراف الصراع إلى إبداء قدر من المرونة. لكن هذا الرهان يبقى مرتبطاً بسلوك كل من طهران وواشنطن في المرحلة المقبلة، في ظل الحشد العسكري الأميركي، وتمسك كل طرف بنهجه، واستمرار الشكوك حول مدى استعداد إدارة دونالد ترامب للذهاب إلى تسوية فعلية.
اليوم تقف المنطقة على حافة فوهة بركانية. كل خطوة محسوبة، وكل تراجع فعال. والدول الأربع ليست وسطاء فحسب، بل هي اللاعب الذي قد يمنع الانفجار ويعيد ترتيب المعادلات الإقليمية لصالح إدارة الأزمات بدلاً من الانزلاق إلى الفوضى. إن نجاحها في فتح قنوات تفاوض فعالة قد يقلل من خطر المواجهة الشاملة، ويعيد وضع القوى الإقليمية كعناصر فاعلة نشطة في إدارة الأزمات الكبرى، وليس مجرد مراقبين. وفي ظل هذا التعقيد يبقى السؤال: هل ستتمكن شبكة الوسطاء من ترجمة الفرص إلى خطوات واقعية تجنب المنطقة من الانفجار، أم ستبقى الأزمة معلقة بين الحسابات السياسية والمصالح الاقتصادية والأمنية، مما يهدد بإشعال صراع أوسع يؤثر على العالم أجمع؟
أمين قموريا

#فهل #تنجح #الشبكة #الباكستانية #الإسلامية #في #كبح #جماح #الحرب

فهل تنجح «الشبكة الباكستانية» الإسلامية في كبح جماح الحرب؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – فهل تنجح «الشبكة الباكستانية» الإسلامية في كبح جماح الحرب؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.