.

اراء و اقلام الدستور – أردوغان في الرياض والقاهرة: توازن إقليمي جديد؟

سامر الشخشير14 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – أردوغان في الرياض والقاهرة: توازن إقليمي جديد؟


دستور نيوز

سمير صالحة

أساساس ميديا

إن فكرة التحالف الثلاثي التركي السعودي المصري لم تأت بالصدفة. بل هو نتيجة لسنوات من التوترات والتحديات المشتركة والفرص الضائعة في المنطقة. ويبرز التعاون الثلاثي هنا كأداة استراتيجية يمكن أن تؤدي إلى إيجاد حلول في التعامل مع القضايا الحرجة والمزمنة والمتعددة الأوجه التي تهدد مصالح هذه الدول في أكثر من مكان وفي أكثر من اتجاه.

وتطورت فكرة التحالف نتيجة مسارات مفتوحة وبراغماتية، حيث تبنت الدول الثلاث أهمية وفوائد هذا التنسيق في مواجهة العديد من الأزمات والعقبات الإقليمية المعقدة التي تشمل القضايا السياسية والأمنية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط والخليج والقارة الأفريقية.

ولكل طرف أهدافه الخاصة، لكن القاسم المشترك هو الرغبة في معالجة مشاكل المنطقة من خلال التعاون السياسي والاستراتيجي المتبادل الذي يضمن المصالح، ويقلل من حجم الصراعات، ويقطع الفرص التي قد يستغلها طرف ثالث. وهكذا توصلت الدول الثلاث إلى قناعة بأن الواقع الإقليمي الجديد يتطلب توازنات مختلفة ودقيقة لضمان مصالحها الوطنية أولا، وبناء نموذج للتعاون الإقليمي يجمع بين الموقع والثقل السياسي والعسكري، والثقل الاقتصادي ثانيا.

أداة الاستقرار والتوازن

والمقترح الجديد الذي نعتمد عليه اليوم هو رؤية استراتيجية مشتركة تهدف إلى خلق نموذج دائم وتأثير إيجابي على كافة التوازنات الإقليمية. لكن الهدف على المدى الطويل يتلخص في تطوير مسار أوسع من خلال دمج أطراف أخرى مثل باكستان، وهو ما يعطي مرونة أكبر في مواجهة الصعوبات واستغلال الفرص الإقليمية لصياغة معادلات استراتيجية حقيقية.

لم تكن جولة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخيرة، التي شملت الرياض والقاهرة، مجرد زيارات بروتوكولية، بل كانت خطوة استباقية لاستشراف توازنات جديدة في منطقة ساخنة، تعكس توجه القوى الإقليمية نحو بناء مسار عربي إسلامي متوازن، قادر على مواجهة العقبات وتعزيز فرص التنسيق في ملفات الأمن والسياسة والاقتصاد.

وتأتي الخطوة الثلاثية في وضع إقليمي بالغ التعقيد يتسم بالممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وتصاعد التوترات الأمريكية الإيرانية، وتفاقم الأزمات الليبية والسورية واليمنية والسودانية والصومالية، التي لا تزال تمثل نقاط صراع حيوية تؤثر على استقرار المنطقة، يرافقها التنافس التقليدي بين القوى الإقليمية والدولية على بسط النفوذ وفرض السيطرة على طرق الطاقة والممرات الملاحية والتجارة.

وفي هذا السياق، لا يبدو التنسيق الثلاثي اليوم خياراً دبلوماسياً، بل أداة لتحقيق الاستقرار والتوازن الإقليميين، يعكس النضج السياسي والبراغماتية المتقدمة في التعامل مع قضايا المنطقة المعقدة.

ويرتكز الرهان على تعاون يسير في ثلاثة أبعاد استراتيجية أساسية: بعد سياسي يعزز قدرة الدول الثلاث على اتخاذ مواقف مشتركة تجاه الأزمات الإقليمية، ويعزز نفوذها الدولي، ويترك مجالاً للحوار مع بقية القوى الإقليمية والدولية، وبعد عسكري وأمني يسمح بتبادل المعلومات الاستخباراتية والتنسيق في مواجهة الأخطار المشتركة والأزمات الإقليمية، مع رفع مستوى الردع المشترك، وبعد اقتصادي يسهل بناء مشاريع تعاون واسعة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والمعابر. التجارة التي تعزز التكامل الإقليمي وتخلق فرص الاستثمار المتبادل.

النفوذ الاستراتيجي

وتوفر هذه الشراكة فرصاً استراتيجية لتعزيز التوازن الإقليمي وتنسيق سياسات الاستجابة للأزمات، مع إدراك العقبات المحتملة من داخل المنطقة وخارجها. لكن من بين الأهداف أيضا توفير أساس للتفاهم يتيح للدول الثلاث الفرصة لتوجيه ديناميكية المنطقة نحو الاستقرار والحد من الضغوط الخارجية، ويمنحها وضعا جديدا تتقاطع فيه الفرص الاستراتيجية مع مسار تعزيز وتوسيع الشراكات.

ومن هنا فإن توجهات القاهرة وأنقرة والرياض نحو التعاون بطموح جديد تمثل رهاناً على مستقبل يخلق توازناً استراتيجياً وشراكات عملية، ويوفر فرصاً جديدة للسلام والتنمية. وما يميزه سيكون الطريقة التي سينظر بها التحالف إلى خيارات الانفتاح والتعاون مع بقية دول المنطقة والبيئة الإقليمية والدولية، وإمكانية استكمال التحالفات القائمة وتوسيع مساحتها.

وهنا، لن يقاس النجاح الفعلي للتحالف بالتنسيق الثلاثي وحده، بل بقدرته على دمج الآخرين أو التأثير على مواقفهم دون إشعال توترات إضافية، وتحويل أي فرصة إلى رافعة استراتيجية ملموسة.

والسؤال المركزي: إلى أي مدى يشكل هذا التنسيق نهجا عمليا لتحقيق أهداف استراتيجية تصب في مصلحة دول المنطقة، ويفتح آفاقا جديدة للحوار الإقليمي والدولي الذي يراه الآخرون مسارا تكميليا وليس منافسا، ويسهم في تطوير أدوات سياسية واقعية توازن بين المصالح الإقليمية وتستجيب للتحديات الدولية؟

بين حدود صعبة، وأزمات مفتوحة منذ عقود، وشعوب تبحث عن الاستقرار، تتقاطع حسابات الدول الثلاث اليوم على سؤال واحد: هل تستطيع السياسة أن تخفف من أعباء بقايا التاريخ والجغرافيا؟

لحظة فاصلة؟

فالتنسيق الثلاثي ليس مجرد ترتيب سياسي أو أداة لإدارة الأزمات، بل هو اختبار نادر لقدرة القوى الإقليمية على توجيه مصيرها بعيدا عن الفوضى والتدخلات الخارجية. واليوم تحاول أنقرة والرياض والقاهرة بناء نموذج من الانفتاح والتعاون يوازن المصالح ويخلق فرصا حقيقية للسلام والتنمية، ويمنح شعوب المنطقة الشعور بأن مستقبلها يمكن صنعه على أرضها وبقراراتها.

ولن يقاس النجاح الحقيقي بعدد الاتفاقيات أو البيانات المشتركة، بل بقدرته على تحويل نقاط الصراع إلى فرص، ومسارات النفوذ إلى جسور تعاون تعكس واقعا أكثر استقرارا وتوازنا، وتسمح للقوى الإقليمية بممارسة السياسة بوعي ومرونة أكبر.

إن الشرق الأوسط لا يعاني من نقص في التحالفات، بل من نقص في التوازن الذكي. وإذا نجح هذا التنسيق في تجاوز الحسابات الضيقة والانفتاح على الآخرين، فإنه قد يشكل نقطة تحول في مسار المنطقة، حيث يصبح التعاون رافعة استراتيجية للنفوذ الإقليمي، وليس لإدارة الأزمات.

ومن هنا فإن التعاون الثلاثي يتجاوز كونه خياراً دبلوماسياً عابراً، ليصبح رافعة محورية تمكن المنطقة من تشكيل مستقبلها بقرارها، وتحويل العقبات إلى فرص للنمو، وبناء توازن دائم يضمن الاستقرار والأمن لشعوب الشرق الأوسط والعالم الإسلامي.

#أردوغان #في #الرياض #والقاهرة #توازن #إقليمي #جديد

أردوغان في الرياض والقاهرة: توازن إقليمي جديد؟

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – أردوغان في الرياض والقاهرة: توازن إقليمي جديد؟

المصدر : www.elsharkonline.com

.