دستور نيوز
شفيق طاهر
الثلاثاء 20 يناير 2026 – 11:39
المصدر: صوت لبنان
لطالما كانت غرينلاند موضع اهتمام في الاستراتيجيات الجيوسياسية الكبرى، وقد زادت وتيرة هذا الجدل في يناير/كانون الثاني 2026 بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المتجددة حول ضرورة امتلاك الولايات المتحدة للجزيرة، معتبراً ذلك ضرورة أمنية لحماية المصالح الأمريكية من روسيا والصين في القطب الشمالي!
ورغم أن الفكرة قد تبدو لبعض المراقبين وكأنها تعزز القوة الأميركية، فإن الواقع الاستراتيجي في القطب الشمالي يعكس تعقيدات أكبر بكثير، تظهر بوضوح في ثلاثة سيناريوهات محتملة لمغامرة الرئيس ترامب. السيناريو الأول هو “السيادة المتناغمة”، والسيناريو الثاني هو “السيادة المنعزلة”، والسيناريو الأخير هو “السيادة المواجهة”. ويحمل كل سيناريو تداعيات مختلفة على الولايات المتحدة الأميركية وعلاقاتها الدولية.
السيناريو الأول: السيادة المتناغمة
في هذا السيناريو، سيتم تحقيق أهداف الولايات المتحدة بضم جرينلاند بطريقة توافقية مع الدنمارك وجرينلاند نفسها، وبالتنسيق الوثيق مع الشركاء الأوروبيين وحلف شمال الأطلسي. وهنا يتحول الوجود الأميركي في الجزيرة إلى رافد لوجستي واستراتيجي مهم في شمال الأطلسي، دون إضعاف العلاقات مع الحلفاء.
وهذا يعني الحفاظ على شبكة لوجستية متعددة الأطراف تشمل القواعد، ومرافق الصيانة، ودعم البحث والإنقاذ، مع تبادل المعلومات الاستخبارية على نطاق واسع بين الولايات المتحدة وأوروبا، مما يمنح واشنطن قدرة حقيقية في القطب الشمالي تتجاوز مجرد رفع العلم الأمريكي على الجزيرة. وفي هذا السياق، يمكن أن تصبح جرينلاند منصة أساسية لمراقبة أنشطة الدول المتنافسة، فضلاً عن تعزيز القدرات الدفاعية الأمريكية في المنطقة.
ومن شأن التعاون المتناغم مع الشركاء الأوروبيين أيضاً أن يسهل تطوير البنية الأساسية المشتركة للموارد الطبيعية الاستراتيجية، وهو الجانب الذي لا يمكن تحقيقه بمعزل عن الأسواق الأوروبية والمعايير التنظيمية. وهذا يعزز المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية.
لكن هذا السيناريو يتطلب قبولا دوليا قويا واستمرارية العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، وهو ما يتعارض مع التوترات الدبلوماسية الناجمة عن تصريحات الرئيس ترامب التي أدت إلى انتقادات حادة من عدة حكومات، وتهديدات بفرض رسوم جمركية على الدول الأوروبية التي ترفض خطته، مما يعرض علاقات واشنطن عبر الأطلسي للخطر.
السيناريو الثاني: السيادة المعزولة
وفي هذا السيناريو المحتمل، وبحسب تحليلات متعمقة، تفرض الولايات المتحدة سيطرتها على غرينلاند، لكن مع انقطاع تدريجي في تعاونها الأمني واللوجستي مع شركائها الأوروبيين. وسيكون الأثر الأول لذلك هو أن تصبح قوة أمريكية “معزولة” في القطب الشمالي، تعتمد بشكل كبير على مواردها الخاصة، وتتكبد تكاليف لوجستية ضخمة للحفاظ على وجودها، وهو ما ينعكس في زيادة نفقات الإمدادات والبنية التحتية والتشغيل في بيئة قاسية ومعزولة.
إن السيطرة الأحادية على الموارد الطبيعية لا تضمن سلاسل التوريد العملية من دون شراكات مع مستثمرين أوروبيين وسوق أوسع، لأن تنمية هذه الموارد تتطلب استثمارات ضخمة وتكنولوجيات متقدمة لا تتاح بسهولة ضمن إطار أحادي. وبالتالي، قد تجد الولايات المتحدة نفسها تمتلك موارد طبيعية قيمة ولكن دون القدرة على تحويلها إلى إمدادات استراتيجية قابلة للاستخدام تجارياً.
ومن ناحية أخرى، فإن مثل هذا السيناريو قد يخلق فجوة في الشبكات الأمنية المشتركة بين الولايات المتحدة وحلفائها، مثل تبادل المعلومات والتدريب المشترك وتنظيم عمليات البحث والإنقاذ الدولية، مما يقلل من العمق اللوجستي المتاح للقوات الأمريكية، ويجعل أي وجود في الشمال أقل فعالية وأكثر تكلفة على المدى الطويل.
السيناريو الثالث: السيادة المواجهة
وأسوأ السيناريوهات الثلاثة هو السيناريو الذي تتحول فيه قضية جرينلاند إلى أزمة صراع مباشر مع الحلفاء الأوروبيين داخل حلف شمال الأطلسي، وقد تمتد إلى التوترات مع روسيا والصين أيضا. لقد أدت تصريحات الرئيس ترامب، التي تضمنت التهديد باستخدام القوة أو العقوبات الاقتصادية إذا لم يتم قبول مطالبه، إلى موجة من الانتقادات الأوروبية واسعة النطاق، وتعتبر الأصوات القوية أي محاولة لفرض تغيير في وضع جرينلاند بمثابة تهديد لأسس حلف شمال الأطلسي.
وفي هذا السيناريو، قد يؤدي الانقسام الأميركي الأوروبي إلى اتساع النفوذ الروسي في المناطق الرمادية في القطب الشمالي، حيث تستغل موسكو هذا الخلاف لتعزيز مواقعها ونفوذها في طرق الملاحة والقواعد العسكرية. وقد تستغل الصين أيضًا أي انقطاع أوروبي في التنمية الاقتصادية للموارد لتعزيز مصالحها في الاستثمار والتكنولوجيا في القطب الشمالي.
وهنا لا يكمن التحدي في جرينلاند نفسها فحسب، بل في تفكك التحالف الأطلسي وضعف التعاون العالمي في مواجهة منافسة الصين وروسيا، وهو ما يقلل بشكل جذري من قدرة الولايات المتحدة على تعزيز قوتها الاستراتيجية في المنطقة، ويحول الجزيرة من نقطة قوة إلى رمز للانقسام.
السيادة الأحادية مقابل الشراكة الاستراتيجية
في الختام، لا تقتصر القوة في القطب الشمالي على فرض سيطرة دولة معينة على منطقة جغرافية قاسية ومعزولة، بل تتجسد في قدرتها على بناء وصيانة شبكة تعاون دولية متعددة الأطراف، وتطوير الهياكل اللوجستية المشتركة، وتحويل الموارد الطبيعية الضخمة إلى أصول استراتيجية قادرة على التوظيف الفعلي. وتكشف السيناريوهات الثلاثة بوضوح أن النفوذ الحقيقي لا ينبع من السيادة الأحادية وحدها، بل من مزيج متوازن من السيادة الوطنية، والتنسيق الدولي، والقدرة على تأسيس وجود طويل الأمد يقوم على شراكات مستدامة ومتعددة المستويات.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#سيناريوهات #غرينلاند #الثلاثة. #بين #الطموح #الأميركي #والواقع #الاستراتيجي #صوت #لبنان #صوت #لبنان
سيناريوهات غرينلاند الثلاثة.. بين الطموح الأميركي والواقع الاستراتيجي – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – سيناريوهات غرينلاند الثلاثة.. بين الطموح الأميركي والواقع الاستراتيجي – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
