.

اراء و اقلام الدستور – النيل من هيبة الدولة!

سامر الشخشير8 يونيو 2026
اراء و اقلام الدستور – النيل من هيبة الدولة!


دستور نيوز

غزو ​​القرنفل

إن عبارة “النيل من هيبة الدولة” تحمل تأثيراً لغوياً وقانونياً وسياسياً كبيراً، إذ تبدو للوهلة الأولى دفاعاً مشروعاً عن كيان الدولة واستقرارها ومؤسساتها، ما يجعلها أداة فضفاضة تستخدم ضد كل رأي مخالف أو انتقاد سياسي، حتى يتهم المواطن بالنيل من الدولة و”هيبتها” لمجرد تعبيره عن غضبه من الفساد المالي أو الإداري، أو الفشل الحكومي، أو التعسف في ممارسة السلطة. ومن ثم يطرح السؤال الجوهري: ما المقصود فعلياً بهيبة الدولة؟ ومن له الحق في تحديد ما إذا كان هذا النقد ينال فعلاً من «هيبة الدولة» أم لا؟

إن المعنى الطبيعي لهيبة الدولة لا يعني الخوف من السلطة أو الصمت في وجه أخطائها. إن الهيبة الحقيقية للدولة تنبع من احترام مؤسساتها السلطة للقانون، ومن ثقة المواطنين بمؤسساتهم، ومن قدرة الدولة على حماية الحقوق وتحقيق العدالة على الجميع دون تمييز.

الدولة الشامخة ليست تلك التي يخشى الناس فيها انتقاد السلطة الحاكمة، بل هي الدولة التي يشعر فيها الناس بالأمان والثقة بأن حقوقهم مصونة، وأن القانون فوق الجميع، بما في ذلك الحكام أنفسهم. لكن عندما يتم تقليص هيبة الدولة إلى هيبة الحاكم أو الحكومة أو الأجهزة الأمنية، يتحول المفهوم من قيمة سياسية وقانونية إلى أداة قمع لا أكثر.

وفي الأنظمة الاستبدادية، غالباً ما يتم الخلط بين الدولة والسلطة بشكل متعمد، وكأن انتقاد الوزير أو الرئيس أو المؤسسة الأمنية هو انتقاد للوطن نفسه. وهكذا يصبح الاعتراض السياسي نوعاً من «الخيانة الوطنية»، ويتحول المواطن من شريك في الحياة العامة إلى متهم دائم عليه إثبات ولائه بالتزام الصمت. ويبقى السؤال بلا حل: من الذي يقرر فعليا أن هذا التصريح أو ذاك يمثل «اعتداء على هيبة الدولة»؟

في الدول الديمقراطية، هناك معايير قانونية واضحة تحدد الفرق بين حرية التعبير والتحريض على العنف أو الكراهية أو التهديد المباشر للأمن العام. لكن في الأنظمة الاستبدادية المنغلقة، غالبا ما تترك هذه العبارات مرنة وغامضة بحيث يمكن تفسيرها حسب المزاج السياسي أو الأمني. وهكذا يصبح منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو بيان صحفي أو حتى نكتة سياسية سبباً كافياً للاستدعاء أو الاعتقال بحجة الإساءة إلى «هيبة الدولة».

إن غياب المعايير الدقيقة ليس صدفة، بل هو جزء من وظيفة هذه العبارات. وكلما كان المصطلح أكثر غموضا، كلما كان أكثر عرضة للتأويل والاستخدام ضد أي شخص وفي أي وقت. ولذلك نجد أن التهم مثل “إضعاف نفسية الأمة” أو “إضعاف الشعور الوطني” أو “النيل من هيبة الدولة” تستخدم على نطاق واسع في البيئات الاستبدادية لأنها تمنح السلطة مجالاً واسعاً لمعاقبة المعارضين دون الحاجة إلى إثبات جريمة فعلية.

والسؤال الأهم هنا: هل انتقاد السلطة وأدائها يمثل حقا اعتداء على هيبة الدولة؟ الواقع يقول عكس ذلك تماما. إن الصمت عن الفساد وسوء الإدارة وانتهاك الحقوق واستغلال السلطة ومخالفة القواعد الدستورية هو ما يقوض الدولة ويقوض هيبتها الحقيقية، لأن المواطن عندما يرى أن المسؤول لا يحاسب، وأن الفشل يُكافأ، وأن الانتقاد ممنوع، تتآكل ثقته في الدولة تدريجياً. أما النقد الحر، حتى ولو كان قاسيا، فهو جزء أساسي من أي حياة سياسية سليمة، لأنه يسمح بكشف الأخطاء وتصحيحها قبل أن تتحول إلى كوارث.

فالدول القوية لا تخشى الانتقاد، بل تستفيد منه. وهيبة الدولة، كما نرى في الدول المتقدمة، لا تقوم على إسكات الأفواه، بل على قوة المؤسسات، واستقلال القضاء، وحرية الإعلام. فالمواطن هناك يستطيع أن ينتقد علناً الرئيس أو الحكومة من دون أن يشعر بأنه يقترب من «منطقة محرمة»، فالدولة ليست شخصاً أو حزباً أو جهازاً أمنياً، بل هي كيان دائم، أما الحكومات والسلطات فهي أدوات عابرة قابلة للتغيير والمحاسبة. أما الأنظمة التي تعتبر أي اعتراض تهديداً لهيبتها، فهي في الواقع تكشف… هشاشتها ليست قوتها، والسلطة الواثقة من شرعيتها لا تحتاج إلى تخويف الناس من التحدث علناً. فعندما تصبح “هيبة الدولة” مرادفة للصمت القسري، تتحول الدولة إلى بنية تخشى مواطنيها أكثر من احترامهم لها.

وأخطر ما في هذه التصريحات الفضفاضة أنها تنتج مواطنا مرعوبا يراقب كلامه باستمرار ويتجنب النقاش العام خوفا من الاتهام أو العقاب. وبذلك تفقد الدولة طاقات المجتمع وقدرته على النقد والإصلاح والمشاركة السياسية. إن المجتمعات التي يُحظر فيها التعبير لا تصبح أكثر استقرارا، بل تصبح أكثر توتراً، لأن القمع لا يزيل المشاكل، بل يؤجل انفجارها فحسب.

هيبة الدول لا تبنى بالخوف، بل بالعدالة. الأوطان لا تحميها إسكات الناس، بل بإشراكهم في المراقبة ومحاسبة السلطة. وحدها الدولة التي تقبل النقد وتحترم حرية التعبير هي القادرة على اكتساب الهيبة الحقيقية، هيبة الاحترام، وليس هيبة الرهبة والخوف.

#النيل #من #هيبة #الدولة

النيل من هيبة الدولة!

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – النيل من هيبة الدولة!

المصدر : www.enabbaladi.net

.