دستور نيوز
بقلم فوزي عساكر
رئيس تحرير مجلة العالمية
كنا في طفولتنا نجتمع في ساحة القرية ونتشارك ألعاب ذلك العصر. كنا نركض في الحقول المجاورة ونختبئ بين سنابل القمح.. كانت تلك ألعابنا الطبيعية، لكن ما لم يكن طبيعيا هو رفيقنا «ممدوح» الذي كان يتوقف في منتصف اللعبة ليقول لي: «دلوقتي اتذكرت.. أمي قالت لي لا أكلمك!» وهكذا كنا نتوقف عن اللعب، حتى اليوم التالي، ونعود ونلعب بعد أن نسي ممدوح تعليمات والدته، لكنه سرعان ما يتذكرها مرة أخرى، ولم نتمكن من ترسيخ صداقتنا، لأن قراره.. كان مع والدته!
تلك الطفولة تشبه إلى حد كبير ما نعيشه في هذه الأمة الصغيرة، التي نحترم دستورها، ونحتفل بمئويتها، بالشموع المضاءة على قطعة الحلوى، احتفالاً بمئوية دستور الأمة المفقودة، وسرعان ما تأتي كلمة المرور من الخارج، ونتشاجر مرة أخرى، في انتظار النعمة الخارجية للوصول إلى الانسجام الداخلي!
في هذه الأيام الصعبة تُتخذ القرارات في الخارج، والوضع الحالي يتطلب أن نموت، وتتولى وزارة الصحة إحصاء عدد القتلى والجرحى، حتى تحصل الأطراف المتحاربة على كلمة المرور وتتوقف اللعبة.
أما المشكلة في هذا البلد الصغير، فهي ليست مشكلة جار الطفولة «ممدوح»، بل مشكلة من يقفون وراء «ممدوح».
واليوم، تلوم الولايات المتحدة الدولة اللبنانية، لأنها لا تستطيع فرض سلطتها على كامل أراضيها. لكن هذه القوة العظمى التي تفرض كلمة المرور متى شاءت، ألم تفعل بالدولة اللبنانية ما فعلته تلك الأم بابنها “ممدوح”؟! ألم تسلّموا الوطن الصغير للوصاية السورية في وجه الشعب اللبناني منذ ثلاثين عاماً؟! ألم تسلم الدولة السورية السلطة لحكومة جديدة وقد تلتزم بالقرار اللبناني من جديد؟! ألم ترصدوا منذ أربعين عاماً نقل الأسلحة الإيرانية إلى لبنان عبر سوريا والعراق، مكشوفة أمام أعين الأقمار الصناعية، وسمح بتخزينها في لبنان لتكون ذريعة لتدمير لبنان؟! ألم يكن بإمكانها منع ذلك قبل حدوثه؟! هل كانت تراقب اللاعبين الشباب؟! لكن اللاعبين الصغار كبروا، وأصبح من الصعب على القوة العظمى وحليفتها في الشرق الأوسط أن توقف اللعبة التي أطاحت بلبنان وتسببت في قتلى وجرحى وهدمت المنازل وحفرت القبور ونشرت صور الشهداء على أعمدة لم تعد الكهرباء تعمل بها، فأصبحت أعمدة مخصصة لصور الشهداء.
ألم تكن تكلفة إيقاف اللعبة قبل أربعين عاماً أقل بكثير من تدمير أمة نحتفل بالذكرى المئوية الأولى لدستورها، كمن يمدح ثوب عروس قُتلت قبل يوم زفافها؟!
إن قرار الحرب والسلام في لبنان ليس بيد أبنائه، ولا بيد أعدائه. ومن أبنائها مثل ممدوح الذي ينتظر كلمة المرور من والدته. وأعداؤه كالطفل المدلل لدولة الوصاية الكبرى. لكن القرار ليس إلا في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض، وهو ما سمح للعداء بالنمو منذ بداية الولاية الحادية والخمسين في الشرق الأوسط، يوم تورط لبنان، وأضعفت الدولة، وانضمت الأحزاب والحركات والفصائل المسلحة إلى الأنظمة الأجنبية. دفع لبنان الثمن الباهظ على مدى ثمانين عاماً، لكن من دون قضية، لأن ما تقدسه جماعة تجرمه فئة معارضة، والدولة الأم في الشرق تتلاعب بطفلها «ممدوح»، ودولة الوصاية في الغرب تهز سرير طفلها المدلل، ويعطلان معاً اللعبة مرة كل عشر سنوات.
كفىكم احتفالا بمئوية دستور الوطن الضائع. بل جمعوا أشلاء شعب وأعادوا بناء جسد يستحق أن ينهض من جديد إلى الحياة، ويكون نواة السلام في الشرق الأوسط والعالم.
فوزي عساكر
#مئوية #دستور #الوطن #المفقود
مئوية دستور الوطن المفقود
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – مئوية دستور الوطن المفقود
المصدر : www.elsharkonline.com
