دستور نيوز
شفيق طاهر
الاثنين 20 أبريل 2026 – الساعة 14:51
المصدر: النهار
وفي ذروة التوترات المحيطة بمضيق هرمز، عاد إلى الواجهة سؤال كان حتى وقت قريب يبدو أقرب إلى الخيال السياسي منه إلى نقاش استراتيجي جاد: هل تستطيع الولايات المتحدة أن تفكر في تجاوز هذا الشريان البحري الحساس من خلال حل هندسي عسكري متطرف، والذي قد يذهب إلى حد استخدام تفجير نووي لفتح ممرات بديلة؟
قد يبدو هذا الاقتراح صادما، لكنه لا يخلو من جذور تاريخية. وفي الستينيات، درست واشنطن فعلياً استخدام ما أسمته آنذاك بالتفجيرات النووية السلمية لحفر قنوات وممرات ضخمة في أمريكا اللاتينية، ضمن رؤية هندسية عبرت، في جوهرها، عن عقلية الحرب الباردة والثقة المفرطة في قدرة الذرة على إعادة تشكيل الجغرافيا.
مشروع قديم من حقبة الحرب الباردة
الحديث هنا لا ينتمي إلى الرواية السياسية أو أدب المؤامرة، بل إلى أرشيف أميركي موثق. وفي إطار مشروع Plowshare للتفجيرات النووية السلمية، قامت هيئة الطاقة الذرية الأمريكية بدراسة إمكانية استخدام التفجيرات النووية لأغراض مدنية، بما في ذلك بناء قناة جديدة في بنما أو كولومبيا على مستوى سطح البحر. وحينها لم يتم طرح الفكرة على أنها استخدام للأسلحة النووية في الحرب، بل كوسيلة علمية لتسريع الأعمال الهندسية العملاقة وتقليل تكاليفها الزمنية، ولو على حساب تداعيات بيئية وبشرية كان من الصعب احتواؤها.
لكن هذه المشاريع، رغم الإغراء الفني الذي حملته في حسابات البيروقراطية الأمريكية، لم ترَ النور. وأدى التلوث الإشعاعي المحتمل، والاعتراضات المحلية، والتعقيدات السياسية والدبلوماسية، إلى دفن هذا الطموح النووي الهندسي قبل أن يصبح حقيقة واقعة.
هرمز ليس مجرد عقدة مائية
إلا أن استعادة هذه السابقة التاريخية في بعض المحافل السياسية الأمريكية اليوم تأخذ معنى خاصا عند النظر إلى موقع مضيق هرمز. فالمضيق ليس ممرا بحريا عاديا يمكن استبداله بسهولة، بل يشكل نقطة اختناق مركزية في سوق الطاقة العالمية. وتمر عبره يومياً كميات هائلة من النفط والمنتجات البترولية، مما يجعله ركيزة أساسية في استقرار أسواق الطاقة العالمية.
وهنا تحديداً، يصبح الفرق بين خيال الستينيات والواقع الحالي واضحاً. إن ما يمكن رسمه على الخرائط أو في الدراسات العسكرية لا يمكن فصله عن الواقع السياسي، ولا عن التكاليف البيئية والقانونية والإنسانية. ومهما بلغت قوة أميركا، فإن تحويل الخليج العربي إلى ورشة تفجير نووي من أجل خلق البديل البحري ليس خياراً قابلاً للتسويق أو التطبيق لا داخلياً ولا دولياً.
من الردع البحري إلى وهم السيطرة المطلقة
ويبدو أن ما تريده واشنطن فعلياً ليس إنشاء مضيق بديل يحمل قنابل نووية، بل منع إيران من تحويل مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز استراتيجية. ولذلك، فإن النقاش العام الأمريكي يتركز في الغالب على حماية حرية الملاحة، وتعزيز الانتشار البحري، ورفع تكلفة أي محاولة إيرانية للإغلاق أو التعطيل. لكن مجرد استحضار سيناريوهات نووية من هذا النوع يكشف عن أزمة أعمق، تتمثل في عجز القوة العظمى عن إيجاد حلول سياسية مستقرة، وهو ما يدفع بعض دوائرها، أو بعض الخطابات المحيطة بها، إلى التلويح بأفكار تعكس منطق السيطرة المطلقة على الجغرافيا بالقوة.
وهذه هي نفس العقلية التي ميزت أجزاء من التفكير الأميركي في ذروة الحرب الباردة.
ماذا تقول الفكرة في جوهرها؟
قد لا يكون على طاولة الرئيس ترامب مشروع أميركي فعلي لإنشاء بديل لمضيق هرمز بالقنابل النووية. لكن مجرد عودة هذا النوع من الأفكار إلى التداول يكشف أمراً مهماً، وهو أنه عندما تعجز السياسة عن معالجة الأزمات، يعود بعض الخيال السياسي الأميركي إلى طرح حلول تتعامل مع الطبيعة والجغرافيا والبشر كعقبات يمكن إزالتها بالقوة. بين أرشيف القناة الذرية الأميركية في بنما وكولومبيا، وواقع الخليج اليوم، يبدو أن المشكلة لم تكن أبدا في القدرة التقنية وحدها، بل في الوهم الذي يرافقها، وهم الاعتقاد بأن كل مأزق جيوسياسي يمكن حله بالقوة.
وفي شرق أوسط يتقاطع فيه النفط، والممرات البحرية، والعجز عن الردع التقليدي، تبدو هذه الأفكار أقل شبهاً بالحلول، وأكثر أشبه باعتراف صريح بفشل السياسة في مواجهة الجغرافيا.
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#هرمز #والخيال #النووي #الأميركي #فكرة #ذات #جذور #تاريخية #صوت #لبنان #صوت #لبنان
هرمز والخيال النووي الأميركي فكرة ذات جذور تاريخية – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – هرمز والخيال النووي الأميركي فكرة ذات جذور تاريخية – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
