.

اراء و اقلام الدستور – بيروت منزوعة السلاح: مدخل إلى استعادة الدولة وسيادة القانون – ٢

سامر الشخشير20 أبريل 2026
اراء و اقلام الدستور – بيروت منزوعة السلاح: مدخل إلى استعادة الدولة وسيادة القانون – ٢


دستور نيوز

بقلم الدكتور ابراهيم العرب

لكن القيمة الحقيقية لأي قرار سياسي لا تقاس بنصه فحسب، بل بمدى قابليته للتطبيق على أرض الواقع. علمتنا التجربة اللبنانية أن العديد من القرارات المهمة ظلت حبيسة التصريحات الرسمية، لأنها افتقرت إلى الحزم في التنفيذ أو الغطاء السياسي اللازم لاستمرارها. ولذلك فإن التحدي المطروح اليوم ليس فقط إعلان الرغبة في جعل بيروت خالية من السلاح، بل ترجمة هذه الرغبة إلى خطة أمنية وقضائية وإدارية متماسكة، بمراحل واضحة، وأهداف محددة، وخاضعة للمتابعة والتقييم.

ومن هنا، فإن الاعتصام أمام القصر الحكومي، الذي جاء رداً على اقتراح جعل بيروت مدينة خالية من السلاح، لا يمكن أن يُقرأ على أنه مجرد تعبير احتجاجي منفصل عن السياق الأوسع. ومن الناحية السياسية، فهو يعكس طبيعة الاعتراض المتوقع على أي محاولة جادة لإعادة رسم حدود السلطة الشرعية داخل العاصمة. كما أنه يذكّر اللبنانيين، ولو بشكل غير مباشر، باللحظات السابقة التي تحول فيها الخلاف السياسي إلى توتر أمني خطير، كما حدث في 7 أيار 2008، عندما تداخل القرار السيادي مع توازن القوى على الأرض. وهو ما يفرض أعلى درجات اليقظة على الدولة، ليس لقمع الاحتجاج السلمي، بل لمنع أي انزلاق محتمل إلى الفوضى، أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة، أو تهديد السلم المدني.

على المستوى التنفيذي، فإن التعامل مع هذا الملف يتطلب، أولاً، تواجداً أمنياً كثيفاً ومنظماً في مختلف أحياء العاصمة، بحيث لا تبقى بعض المناطق خارج السيطرة الفعلية للدولة أو خاضعة لنفوذ الجماعات المسلحة، سواء كانت منظمة أو فضفاضة. وهذا يتطلب انتشاراً مدروساً لقوات الجيش والأمن، وإقامة حواجز ثابتة ومتحركة، وإجراء عمليات تفتيش دقيقة للمستودعات والمستودعات والأماكن التي تثير الشكوك حول وجود أسلحة. لكن هذا الانتشار، رغم أهميته، لا ينبغي أن يكون عرضاً شكلياً، بل ينبغي أن يندرج ضمن استراتيجية شاملة تهدف إلى تفكيك البنية اللوجستية لانتشار السلاح داخل المدينة، ومنع إعادة إنتاجه تحت عناوين مختلفة.

ولا تكتمل أي خطة أمنية دون عملية قضائية جدية وموازية. فمصادرة الأسلحة وحدها لا تكفي إذا عاد حاملوها أو من يروجون لها أو المتورطون في استخدامها إلى الشارع سريعاً دون محاسبة فعلية. والمطلوب في هذا المجال هو تفعيل النيابة العامة والمحاكم المختصة، والتطبيق الصارم للقوانين المعمول بها، بما يضمن أن يصبح حمل السلاح خارج الأطر القانونية عملاً يعاقب عليه بشكل جدي لا لبس فيه. الدولة التي تداهم دون محاسبة، أو تصادر دون محاكمة، تبعث برسالة ضعف وليس رسالة قوة، وتؤكد، دون رغبة، أن سلطتها مؤقتة أو انتقائية.

ومن الناحية السياسية والإدارية، يبدو من المنطقي البدء بمعالجة هذا الملف من بيروت تحديداً، ليس لأن المناطق الأخرى أقل أهمية، بل لأن العاصمة تمثل القلب الرمزي والمؤسساتي للبلاد. وإذا نجحت الدولة في فرض هيبتها داخل بيروت، فيمكنها لاحقاً تعميم النموذج تدريجياً على جميع المناطق الأخرى، وفق خطة وطنية تدريجية وواقعية. أما القفز فوق العاصمة أو التعامل معها كحالة استثنائية يؤجل علاجها باستمرار، فهذا ليس أكثر من تكريس فكرة العجز واعتراف ضمني بأن الدولة تقف عند حدود معينة ولا يمكنها تجاوزها. ومن هنا، فإن القرار الحكومي الأخير، وما رافقه من دعم سياسي وبرلماني واسع، يحمل في مضمونه إشارة واضحة إلى ضرورة استعادة سلطة الدولة، بدءاً بمحافظة بيروت.

ويكتسب هذا الأمر أهمية إضافية عندما نأخذ في الاعتبار المخاطر الناجمة عن تواجد عناصر مسلحة أو مخازن أسلحة داخل الأحياء السكنية المزدحمة. وعندما يتم إخفاء الأسلحة بين المدنيين، يصبح السكان أنفسهم في خطر مباشر، سواء بسبب احتمال اندلاع اشتباكات داخلية، أو نتيجة تعرض تلك المواقع لاستهداف خارجي. وفي هذا السياق فإن إدانة أي اعتداءات إسرائيلية على المناطق المأهولة بالسكان يجب أن تظل موقفا حازما لا لبس فيه، لكن هذا لا ينفي، في المقابل، المسؤولية الأخلاقية والسياسية لكل من يعرض المدنيين للخطر من خلال تحويل الأحياء السكنية إلى غطاء للنشاط المسلح. إن حماية الناس لا تتحقق عبر الشعارات، بل عبر إخراجهم فعلياً من إمكانيات التوظيف العسكري والأمني.

ولعل من أخطر ما يميز المشهد البيروتي اليوم أن السلاح لم يعد يقتصر على تنظيمات كبرى أو صراعات سياسية ذات طبيعة استثنائية، بل أصبح جزءا من الحياة اليومية في بعض المناطق. ويظهر أحياناً في أيدي من يفرض قيوداً أو يبتز أصحاب المحلات التجارية، وأحياناً أخرى في نزاعات فردية تبدأ بخلاف مروري بسيط ثم تتطور إلى تهديد مباشر بالسلاح. ويرتبط هذا الواقع أيضاً بانتشار عمليات السطو المسلح، خاصة على الدراجات النارية، وإحساس فئات من المواطنين بأن الردع الرسمي إما غائب أو غير كاف. كل ذلك يؤكد أن المشكلة لم تعد مقتصرة على السلاح السياسي أو الحزبي، بل اتسعت لتشمل الأسلحة الخارجة عن السيطرة والتي تدمر حياة المدنيين وتقوض الشعور العام بالأمن.

ومن ثم، فإن أحد التدابير الأساسية التي ينبغي اتخاذها دون تأخير هو إجراء مراجعة جذرية لنظام ترخيص الأسلحة. إن الاحتفاظ بعدد كبير من التراخيص الممنوحة بشكل عشوائي أو فضفاض يفرغ مبدأ تقييد الأسلحة بحالة محتواها العملي. والمطلوب في هذا الصدد هو تقليل التراخيص إلى الحد الأدنى، وحصرها في الحالات الضرورية جداً، مثل بعض الشركات الأمنية المرخصة وحماية الأفراد ضمن ضوابط قانونية صارمة ورقابة دورية فعالة. كما ينبغي إنشاء قاعدة بيانات محدثة وشفافة للتراخيص، تخضع للمراجعة المنتظمة، ويجب سحب أي ترخيص لا يستند إلى مبرر أمني مشروع وواضح.

مشروع جعل بيروت مدينة منزوعة السلاح ليس شعاراً شعبوياً، ولا إجراءً موجهاً ضد فئة معينة. بل هو اختبار فعلي لمدى جدية الدولة اللبنانية في استعادة دورها الطبيعي. فإما أن تخضع العاصمة للقانون وحده، أو تبقى رهينة التوازنات المسلحة والسلطات الموازية. وفي الوقت الذي يعاني فيه لبنان من أزمات اقتصادية ومؤسساتية خانقة، لا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي أو نهضة وطنية مستدامة ما لم يتم أولاً حل مسألة السيادة الداخلية وسلطة السلاح. ولذلك فإن نجاح هذه المبادرة، إذا توافرت الإرادة السياسية وآليات التنفيذ الجادة، لن يكون إنجازاً أمنياً فحسب، بل سيشكل نقطة تحول في مسار بناء الدولة، ورسالة واضحة مفادها أن بيروت يجب أن تعود مدينة الحياة والمؤسسات، وليس ساحة للسلاح والفوضى.

د. ابراهيم العرب

#بيروت #منزوعة #السلاح #مدخل #إلى #استعادة #الدولة #وسيادة #القانون

بيروت منزوعة السلاح: مدخل إلى استعادة الدولة وسيادة القانون – ٢

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – بيروت منزوعة السلاح: مدخل إلى استعادة الدولة وسيادة القانون – ٢

المصدر : www.elsharkonline.com

.