.

اراء و اقلام الدستور – عندما يتصدع الإنسان في الحرب أمام الجغرافيا – صوت لبنان – صوت لبنان

اراء و اقلام الدستور – عندما يتصدع الإنسان في الحرب أمام الجغرافيا – صوت لبنان – صوت لبنان


دستور نيوز

انطوان العويط

الخميس 5 مارس 2026 – 10:15

المصدر: صوت لبنان

في الشرق الأوسط اليوم، لا تقاس الحرب بعدد الصواريخ فقط، ولا بمساحة الدمار على الخرائط، بل برعشة قلب الأم، بدهشة طفل استيقظ مرعوباً على صوت انفجار، وبمدينة تتلاشى ملامحها مع ذوبان الماضي في الذاكرة الإنسانية.
ومن انتشار النيران في أكثر من منطقة، إلى شظاياها المرتدة نحو دول الخليج والعواصم العربية، وحتى وصول أصداءها إلى شواطئ قبرص، تبدو الحرب موجة قوية لا تعترف بالحدود، ولا تفرق بين جبهة وأخرى. وهي نار تتغذى على هشاشة المنطقة، وتتسع كلما ظن البعض أنه يمكن احتواؤها.
وفي قلب كل هذه التفاعلات الإقليمية، يبقى لبنان ساحة تجربة مؤلمة للإنسان والمجتمع. الذاكرة هنا مثقلة بلعنة الحروب التي تتكرر تحت مسميات مختلفة، ويعود شبح التجربة ليوقظ هواجس قديمة. الحرب في لبنان تاريخ حي محفور على الجدران وفي الوجوه وفي الضمائر.
وما يزيد من قسوة المأساة هو أن من شرع في إشعالها من جديد لم يفعل ذلك عن طريق الخطأ أو تحت وطأة الارتباك، بل عن سبق إصرار وتصميم. لقد زرع الموت وهو يعلم جيداً أن الطريق ينتهي إلى الهاوية. لم يعثر. اختار السقوط. لم يُخدع؛ قرر أن يطعن وطنه وشعبه انتحاراً معلناً، غير راضٍ عن نفسه، بل يجر الجميع إلى جهنم مفتوحة على كل الاحتمالات.
لم يكن الأمر مجرد انتقام، كما يؤكد العارفون، بل كان انصياعاً لطلب إيراني خدم أهداف طهران الاستراتيجية، ومنحها ورقة ضغط إضافية في معركتها المفتوحة، من خلال تعريض الأوضاع الأمنية والاقتصادية في المنطقة والعالم لمزيد من زعزعة الاستقرار، وزرع القلق والفوضى في الأسواق والمجتمعات.
أحدثت هذه الخطوة، وما رافقها من خداع فاضح، صدمة عميقة في لبنان، وطنية وعاطفية في الوقت نفسه. لقد تجاهلت تماماً مصالح الدولة وقرارات الحكومة ورغبة الشعب. وُضِع لبنان وسط عاصفة إقليمية، وأعطيت إسرائيل الهدية والعذر، رغم أنها لم تكن في حاجة إليهما، لتفعيل خططها القائمة وتوسيع نطاق عملياتها، واتسعت دائرة النار.
وهذه ليست حماقة عابرة، ولا مغامرة مزينة بالخطابة الحماسية واللغة الخشبية. قرأها الكثيرون على أنها خيانة جماعية كاملة. خيانة الوطن لصالح وطن آخر عندما تتحول ساحته إلى منابر نار ورسائل دموية، وخيانة المنطق عندما يستبدل العقل بالعبث، وخيانة الإنسان عندما يتحول دمه إلى حسابات يتفوق فيها الفكر الأعمى على كل فكر ووعي.
عندها يصبح الخراب مشروعا، والكارثة اختيارا، والموت أمنية ورغبة، وكأن التضحية بالناس بطولة، وكأن المقامرة بالقدر شجاعة.
خارج الحدث اللبناني وتداعياته، فإن الحرب بمعناها العاطفي ليست حدثاً عسكرياً تدرجه التقارير المسائية، ولا في الأمور العاجلة ليلاً ونهاراً. إنه انهيار في مقياس الإنسانية. إنها اللحظة التي يتراجع فيها صوت العقل أمام تصادم الأسلحة، ويصبح الموت مجرد خبر يمر عبر شريط الأخبار.
في الحرب يتغير تعريف الأشياء. يتحول البيت إلى هدف، والطريق إلى احتمال، والسماء إلى مصدر خوف. يفقد الإنسان بساطته الأولية، ويصبح مرتبطا بغريزة البقاء، وكأن الحضارة التي بناها على مدى قرون يمكن أن تنهار في لحظة جنون أيديولوجي أو نزوة أيديولوجية.
لكن الشر في الحرب لا يكمن في القتل فحسب، بل في تطبيعه.
عندما يصبح الدمار مشهدا يوميا، تتآكل الأخلاق، ويصبح الضمير أقل تفاعلا وأكثر برودة. تدخل المجتمعات مرحلة خطيرة تتأقلم فيها مع السواد والدمار. يتم تبرير المآسي بلغة الكبرياء، وتتحول الأرواح إلى أرقام، وتحل الدعاية محل الحقيقة. وهكذا فإن الحرب لا تهدم الحجر وحده، بل تضرب المعنى في عمقه، وتخلط البوصلة بين الحقيقة والقوة، حتى يكاد الناس ينسون أن الأصل يكمن في حماية الحياة، وليس إدارتها على حافة الفناء.
لكن الخسارة الأكبر تقع دائماً على عاتق المواطن، الذي لا يملك قرار خوض الحرب، ولا ترف الهروب من عواقبها. تتحول أولوياته من الحلم إلى البقاء، ومن التخطيط للمستقبل إلى إدارة يوم آخر. يتزايد القلق في أذهان الناس، ويعيش الناس بين الخوف من المستقبل والحنين إلى الماضي الذي بدا فجأة أكثر أماناً مما كانوا يعتقدون. الطاقات تستنزف، وينشأ جيل بالإحباط بدل الأمل.
لكن في قلب هذا الظلام يبقى بصيص من الإنسانية يقاوم. في كل حرب هناك من يمد يده لمساعدة جريح، ومن يفتح بيته لنازح، ومن يصر على تعليم طفل رغم القصف. هذه الأفعال الصغيرة هي التي تبقي المعنى حيًا وسط الركام. فالحرب، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تقضي على جوهر الإنسان إذا تمسك به. تختبره وتجرده من أوهامه وتواجهه بسؤال أخلاقي حاسم. أي عالم نريد بعد مرور العاصفة؟ عالم التجاوزات أم عالم المواطنة؟ عالم الخطابات أم عالم الحياة؟
الحرب ليست قدرًا حتميًا، حتى لو بدت كذلك في لحظات الشدة. إنها نتيجة لقرارات الإنسان وتضارب المصالح. ومن هنا فإن الخروج منه يبدأ بإرادة تعترف بأن الأمن الحقيقي يبدأ بإعادة تأهيل الإنسان كقيمة عليا، وليس كوسيلة في لعبة الأمم، ولا كوقود لمشاريع تتغذى على الشر.
نعم، الحرب تقسم الجغرافيا، لكن أخطر ما تفعله هو أنها تقسم الناس من الداخل. إذا أردنا البقاء على قيد الحياة، علينا أن نستعيد هذا الداخل أولاً، وأن نستعيد الشعور بالخوف في مواجهة الموت حتى لا نعتاد عليه، وأن نرفض الظلم مهما تكرر حدوثه، ونؤمن بأن السلام ليس ضعفاً، بل شجاعة أخلاقية في مواجهة الجنون. عندها فقط يمكن للمنطقة، ولبنان، أن يخرج من دوامة النار بوعي جديد يضع الإنسان في قلب المعادلة، وليس على هامشها.

المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها

#عندما #يتصدع #الإنسان #في #الحرب #أمام #الجغرافيا #صوت #لبنان #صوت #لبنان

عندما يتصدع الإنسان في الحرب أمام الجغرافيا – صوت لبنان – صوت لبنان

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – عندما يتصدع الإنسان في الحرب أمام الجغرافيا – صوت لبنان – صوت لبنان

المصدر : www.vdl.me

.