دستور نيوز
بقلم الدكتور ابراهيم العرب
إن قرار مجلس الوزراء بحصر قرار السلم والحرب بالدولة اللبنانية، وحظر أي نشاط عسكري أو أمني خارج إطار الشرعية بنزع سلاح الحزب، يشكل محطة تاريخية في طريق استعادة الدولة سيادتها الكاملة. ولا يقتصر هذا القرار على إجراء تنظيمي أو خطوة ظرفية تمليها التطورات الميدانية، بل يعبر عن نقلة نوعية في نهج السلطة تجاه مفهوم الدولة ووظيفتها الأساسية. فالدولة بحسب التعريف الكلاسيكي الذي صاغه عالم الاجتماع ماكس فيبر، هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل حدوده الجغرافية، وأي خروج عن هذا الاحتكار يعني عمليا تقويض أسس الشرعية السياسية، وفتح الباب أمام الفوضى المقنعة أو الصراعات بالوكالة.
ومن هنا فإن الإشادة الواسعة بقرار مجلس الوزراء ليست تعبيراً عن اصطفاف سياسي، بل موقف مبدئي نابع من المفهوم الأساسي للدولة الحديثة. ويعاني لبنان منذ عقود من ازدواجية السلاح وتعدد مراكز القرار الأمني والعسكري، ما أضعف موقعه التفاوضي إقليمياً وجعل شعبه يتحمل أثماناً باهظة في دمائه وأرزاقه واستقراره. لقد دفعت مناطق الجنوب والضاحية والبقاع، كما سائر المناطق اللبنانية، ثمناً بشرياً ومادياً باهظاً، نتيجة انخراط قوى غير خاضعة للقرار الرسمي في مواجهات عسكرية تتجاوز المؤسسات الدستورية. فقد نزح المدنيون، ودمرت المنازل، وتعطلت الدورة الاقتصادية، وتعرضت البلاد لمخاطر تصعيد واسع النطاق، وكلها نتائج مباشرة لواقع السلاح الخارج عن سلطة الدولة.
وقرار نزع سلاح الحزب يعبر، في جوهره، عن إرادة رسمية لإنهاء هذه الازدواجية واستعادة احترام مبدأ وحدة المرجعية الأمنية. وقد اكتسب هذا التوجه زخماً إضافياً مع تأكيد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أن القرار «سيادي ونهائي ولا رجعة فيه»، وأن تنفيذه منوط بالجيش اللبناني والقوى الأمنية الشرعية في جميع المناطق اللبنانية. وهذا الموقف يعزز القناعة بأن استعادة هيبة الدولة لا تتحقق بالتصريحات، بل بقرارات تنفيذية واضحة، مقرونة بإرادة سياسية صلبة.
وفي هذا السياق تبرز أهمية الموقف المسؤول الذي عبر عنه الوزراء المحسوبون على حركة أمل داخل الحكومة، حيث وقفوا إلى جانب قرار مجلس الوزراء ولم يسجلوا أي اعتراض عليه، وهو ما يعكس توجهاً داعماً لاستعادة الدولة دورها الكامل. كما يفهم من الكواليس السياسية أن رئيس مجلس النواب نبيه بري يتقاطع مع هذا المسار، انطلاقاً من تأكيده الدائم على ضرورة اضطلاع الدولة اللبنانية بمسؤولياتها السيادية. وهذا التقاطع بين موقف رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ومكونات أساسية في السلطة التنفيذية يمنح القرار بعداً وطنياً يتجاوز الاصطفافات، ويعزز فرص تنفيذه بثبات.
كما أن الإشادة بقرار مجلس الوزراء تنبع من أنه يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والدولة. المواطن في الدولة الحديثة يمنح السلطة حق استخدام القوة مقابل ضمان الأمن وحماية الحقوق. لكن عندما يكثر حاملو السلاح وتختلف مراكز القرار، يصبح المواطن رهينة توازنات لا قوة له في التأثير فيها. ولذلك فإن حصرية السلاح في يد الدولة ليست مسألة فنية أو أمنية فقط، بل هي مسألة عقد اجتماعي ومواطنة متساوية أمام القانون.
لكن القرار، مهما بلغت أهميته، يبقى ناقصا ما لم يترجم إلى واقع ميداني. وهنا يبرز الدور المركزي للجيش اللبناني، المؤسسة الوطنية الموحدة التي تشكل الركيزة الأساسية في تنفيذ هذا التحول السيادي. فالجيش ليس حزباً سياسياً، بل هو الذراع التنفيذي الشرعي للدولة، والمخول دستورياً بإنفاذ القانون وحماية الحدود والحفاظ على الاستقرار الداخلي. إن الجيش اللبناني الباسل، بخبرته الميدانية ومهنيته وانضباطه، مطالب اليوم بممارسة كامل صلاحياته لبسط سلطة الدولة على كامل أراضيه، دون استثناء أو تمييز.
ويتطلب التنفيذ الصارم للقرار عدداً من الخطوات المتكاملة:
أولاً، الانتشار الشامل والمنظم للقوات الشرعية في مختلف المناطق، بما يضمن إنهاء أي مظاهر مسلحة خارج الإطار الرسمي.
ثانياً: ضبط أي نشاط عسكري أو أمني غير مرخص، وإحالته إلى القضاء المختص وفق الإجراءات القانونية، تأكيداً لمبدأ سيادة القانون.
ثالثا، توفير الحماية المتساوية لجميع المواطنين، مما يرسخ الثقة في المؤسسات ويعزز الشعور بالأمن الجماعي.
رابعا، اعتماد الشفافية في التنفيذ، بما يمنع أي تفسيرات أو اتهامات بالانتقائية.
وهيبة الدولة لا تستعيد بالشعارات، بل بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. وأي تردد في التنفيذ يضعف مصداقية القرار ويرسل رسائل سلبية في الداخل والخارج حول قدرة الدولة على فرض سيادتها. لذلك، فإن توفير الغطاء السياسي الكامل للجيش والأجهزة الأمنية شرط لا غنى عنه. ولا يمكن للمؤسسة العسكرية أن تتحرك بفعالية في بيئة مثيرة للانقسام أو تحت ضغوط متناقضة. والمطلوب اليوم هو إجماع وطني حقيقي يعتبر أمن الدولة فوق أي اعتبار حزبي أو طائفي. وهذا المسار يتطلب أيضاً دعماً إقليمياً ودولياً مسؤولاً، حيث أن استعادة لبنان لسيادته الكاملة تخدم استقرار المنطقة برمتها. وفي هذا السياق، فإن دعم الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومجلس الأمن الدولي يكتسب أهمية مضاعفة، سواء من خلال توفير الغطاء السياسي للقرار، أو من خلال دعم قدرات الجيش اللبناني لوجستياً وفنياً. إن الدولة التي تسعى إلى فرض احتكارها المشروع للسلاح يجب أن تحظى بدعم دولي يعزز قدرتها على مواجهة التحديات، بالتوازي مع ضرورة وقف أي اعتداءات خارجية تمس سيادتها وسلامة أراضيها.
ولا يقتصر الأمر على البعد الأمني. إن نجاح عملية نزع السلاح يتطلب اتباع نهج شامل يتناول الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية المتعلقة بواقع الأسلحة. وكثيراً ما يتشابك النفوذ العسكري مع شبكات الخدمات والاقتصاد المحلي. ومن هنا فإن عملية التنفيذ يجب أن تصاحبها سياسات تنموية تعزز حضور الدولة في المناطق المعنية وتوفر بدائل اقتصادية عادلة، وبالتالي تمنع أي فراغ يمكن استغلاله لإعادة إنتاج مظاهر السلاح خارج الشرعية.
باختصار، يشكل قرار مجلس الوزراء فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة اللبنانية على أسس واضحة: سيادة غير منقوصة، ومؤسسات فاعلة، وقضاء مستقل، وجيش واحد يحتكر السلاح. وهو إعلان انتقال من منطق التوازنات الهشة إلى منطق الدولة القادرة. وهو اختبار حقيقي لمدى استعداد القوى السياسية لوضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة. واليوم، يقف لبنان على مفترق طرق حاسم. فإما أن يستخدم هذا القرار لترسيخ نموذج الدولة الواحدة التي تدير تنوعها داخل مؤسساتها، وإما أن تتبدد الفرصة ويستمر منطق الازدواجية التي أنهكت البلاد وأضعفتها. ولذلك فإن الإشادة بقرار نزع السلاح لا تكتمل إلا بتطبيقه الكامل، من خلال جيش لبناني باسل وأجهزة أمنية شرعية تمارس صلاحياتها بثبات وثقة، تحت غطاء سياسي شامل ودعم إقليمي ودولي مسؤول.
وفي الختام، إنها لحظة استعادة السيادة، واستعادة احترام كرامة اللبنانيين الذين يستحقون دولة تحميهم، لا أن تكون وقوداً لصراعات الآخرين. الطريق ليس سهلاً، لكن الإرادة السياسية الواضحة، والتنفيذ الحازم، والتفاف الشعب اللبناني حول مؤسساته الشرعية، كافية لتحويل هذا القرار من نص رسمي إلى واقع وطني راسخ، يؤسس لمرحلة جديدة عنوانها: الدولة الواحدة، الجيش الواحد، السلاح الواحد تحت راية الشرعية اللبنانية.
د. ابراهيم العرب
#قرار #الحكومة #بنزع #سلاح #الحزب #والإجماع #الوطني #يستلزم #التنفيذ
قرار الحكومة بنزع سلاح الحزب والإجماع الوطني يستلزم التنفيذ
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – قرار الحكومة بنزع سلاح الحزب والإجماع الوطني يستلزم التنفيذ
المصدر : www.elsharkonline.com
