دستور نيوز
طوني بولس
الثلاثاء 3 مارس 2026 – 15:49
المصدر: العربية المستقلة
ولم يكن وقف إطلاق النار المعلن في 27 نوفمبر 2024 نهاية للحرب بقدر ما كان تعليقًا مؤقتًا لعملية لم تكن مغلقة في المقام الأول. يومها لم يفرط اللبنانيون في التفاؤل، لكنهم تمسّكوا بالهدنة كفرصة لالتقاط الأنفاس في بلد أنهكته الجبهات المفتوحة والانهيارات الاقتصادية المتراكمة. ومع ذلك، فإن الحقائق التي أعقبت ذلك التاريخ سرعان ما بددت أي لبس: فما جاء بعد الحرب لم يكن سلاماً، بل فترة من المراقبة الدقيقة، والمنع الوقائي، والصراع المنخفض الحدة.
خلال الأشهر التي تلت الهدنة، اتضح أن اتفاق وقف إطلاق النار ليس سوى إطار مرن يسمح باستمرار الحرب تحت عنوان «حرية الحركة» لمواجهة أي هدف يصنف على أنه تهديد استراتيجي. ولم تكن الضربات التي نفذت في هذه المرحلة مكثفة، لكنها كانت نوعية وموجهة ومبنية على تراكم استخباراتي واضح. في المقابل، لم ينفذ البند المتعلق بنزع سلاح «حزب الله»، وغمرت القوى السياسية اللبنانية بالتفسيرات والتأويلات والتمييز بين شمال نهر الليطاني وجنوبه، فيما أبلغت الجهات الدولية الدولة اللبنانية بخطورة إطلاق أي صاروخ من الأراضي اللبنانية، وهو ما سيعتبر إعلان حرب. ولم تكن هذه الرسائل غامضة ولا سرية، وعبر عنها علناً أكثر من مسؤول. ومع ذلك، فإن المعضلة لم تكن نقص المعرفة، بل نقص القدرة. وبقي قرار الحرب والسلم خارج يد الدولة، وهو ما جعل الهدنة أقرب إلى غلاف سياسي هش يغطي واقعا قابلا للاشتعال في أول اختبار إقليمي جدي.
قرار الإسناد
ومع انتقال المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مستوى غير مسبوق، دخل لبنان في فترة من ضيق التنفس الجماعي. السؤال ليس هل سيتم استخدام الساحة اللبنانية، بل متى؟ ولم تترك التجارب السابقة هامشاً واسعاً للرهان على تحييد لبنان، لا سيما في ظل التزامات حزب الله السياسية والأيديولوجية ضمن ما يعرف بـ«محور المقاومة».
كان إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان بمثابة لحظة انتقال فعلية من حرب الاستنزاف إلى حرب إسرائيلية ثانية، سميت بـ«الدعم 2». وبحسب معطيات دبلوماسية وتحليلية شاملة، فإن القرار لم يكن محلياً بحتاً، بل جاء في سياق حسابات إقليمية تهدف إلى تشتيت الجهد الإسرائيلي واحتلاله شمالاً لتخفيف الضغط على طهران. لكن هذا القرار سرعان ما اصطدم بواقع ميداني مخالف للتوقعات.
وجاء الرد الإسرائيلي سريعا وواسع النطاق، وهو ما يعكس الاستعداد الكامل والخطط المعدة مسبقا. وفي غضون ساعات، انتقلت إسرائيل من منطق الرد المحلي إلى حملة مركزة استهدفت مواقع عسكرية وطرق إمداد وشخصيات محددة، في إشارة واضحة إلى أن كسر الخط الأحمر كان كافياً لإطلاق الضفة المستهدفة. في هذه اللحظة، بدا واضحاً أن التهدئة لم تكن عائقاً أمام التحرك الإسرائيلي، بل هي مرحلة تستخدم لاستكمال الاستعدادات.
فشل “الهاء”.
في الحسابات النظرية، خطة التشتيت تقوم على فتح جبهة إضافية لإرباك الخصم وإرهاقه. لكن محللين عسكريين يرون أن هذه الاستراتيجية لم تعد صالحة في الظروف الحالية، والسبب الأول للفشل يتعلق بواقع حزب الله نفسه. فالطرف الذي خاض حرب الدعم الأولى لم يعد يتمتع بنفس هامش القوة، كما أن الخسائر البشرية والتنظيمية، إضافة إلى الاختراق الاستخباراتي المتقدم، قللت من قدرته على المبادرة والمناورة.
نمط الاغتيالات، ودقة الضربات، وسرعة تحديد الأهداف، كلها مؤشرات على أن إسرائيل لم تعد ترد على الحدث، بل تسبقه. وأي محاولة للاشتباك معه عبر الجبهة اللبنانية لم تؤد إلى التشتت، بل إلى تسريع الضربات المركزة ضد البنية الأضعف.
أما السبب الثاني للفشل فهو يتعلق بإسرائيل نفسها، وقد أظهرت الأحداث الميدانية خلال العامين الماضيين أنها قادرة على إدارة حروب متزامنة. ففي الوقت الذي استمرت فيه العمليات في غزة، لم تتوقف الضربات في لبنان، ولم تتوقف الهجمات على الحوثيين في اليمن، وواصلت إسرائيل غاراتها في سوريا ضد أهداف وممرات لوجستية إيرانية، ومنحها التفوق الجوي والتكنولوجي القدرة على توزيع الجهد العسكري بدلا من الاضطرار إلى الاختيار بين الجبهات.
السبب الثالث هو أن خيار «التشتيت» الذي لم يخفف الضغط على إيران، حوّل على الأراضي اللبنانية إلى حرب شاملة: دمار وتهجير وعزلة دولية متزايدة. وكانت النتيجة واضحة: إسرائيل لم تنهك كما كان متوقعاً، وإيران لم ترتاح من الضغوط، فيما انكشف الحزب أكثر، ودخل لبنان مرحلة أخطر.
بنك الاغتيالات
في هذا السياق، برزت الاغتيالات كأداة مركزية لإدارة الحرب، وهي اغتيال مسؤول المخابرات العسكرية في حزب الله، إذ أن استهداف رئيس المخابرات يعني تقويض القدرة على إدارة المعلومات وحماية الشبكات والسيطرة على الإيقاع الميداني تحت الضغط.
وتوالي هذه الاغتيالات عزز فرضية وجود قائمة جاهزة من الأهداف التي كانت تنتظر لحظة الصفر. إن التوقيت والدقة والارتباط بين الضربات وإطلاق الصواريخ كلها مؤشرات على أن إسرائيل كانت تنفذ خطة معدة. وفي هذا السياق، ربط المحللون الأشخاص المستهدفين بالوحدات أو الخلايا التي أعطت أو نفذت الأوامر بإطلاق الصواريخ والمسيرات، وهو ما يعكس جهداً ممنهجاً لربط القرار بالتنفيذ.
لكن الحرب لم تتوقف عند هذا الحد. وبالتوازي مع استهداف البنية العسكرية، انتقلت المواجهة إلى مستوى آخر: ضرب النظام المالي.
وفي هذا السياق، يبرز استهداف جمعية “القرض الحسن” كنقطة تحول. وبحسب مصادر دبلوماسية غربية، فإن هذا الاستهداف لم يكن خطوة رمزية، بل جزء من مسار يهدف إلى تجفيف البنية المالية التي يقوم عليها الحزب خارج النظام المصرفي الشرعي. وتشير هذه المصادر إلى أن الأشهر الأخيرة شهدت انهياراً تدريجياً في القدرة المالية للحزب، وهو ما انعكس بشكل مباشر على عدم دفع تعويضات المتضررين من الحرب، التي كانت في السابق إحدى ركائز تماسكه الاجتماعي.
ومع تراجع الدعم الإيراني بسبب الضغوط غير المسبوقة على طهران، أصبح من الواضح أن الحزب يواجه عنق الزجاجة المالية الهيكلية. وهنا تكتسب مؤسسة «القرض الحسن» أهمية استثنائية، ليس كصفة خدمية، بل باعتبارها الذراع المالي الأهم للحزب خارج الإطار القانوني. وتخضع هذه المؤسسة، التي أعلن المجتمع الدولي عدم شرعيتها منذ عام 2007، لعقوبات عدة، ويعتبرها في الأوساط المالية الغربية أحد أبرز أسباب عزلة لبنان عن النظام المالي العالمي.
إن استمرار عملها لا يعرض لبنان لمزيد من العقوبات فحسب، بل يهدد أيضًا أي مسار تفاوضي مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين من المفترض أن يكون لهما دور محوري في إعادة الإعمار. إضافة إلى ذلك، فإن أي نشاط مالي غير قانوني يبقي لبنان عالقا على القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي (فاتف)، ويضعف فرص خروجه منها، ما يعني عمليا إغلاق أبواب الاستثمار وتعميق العزلة الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، لا يُقرأ استهداف “القرض الحسن” كجزء ثانوي من الصراع، بل باعتباره ضربة لقلب اقتصاد الظل الذي نما على حساب الدولة. في المقابل، ترى هذه المصادر أن اللحظة الراهنة قد تشكل فرصة نادرة للبنان للانتقال إلى مسار جديد، يبدأ بتطهير الاقتصاد من أي مؤسسة غير قانونية، وهو الموقف الذي عبر عنه صراحة حاكم مصرف لبنان كريم سعيد في أول خطاب له، عندما شدد على “وجوب إغلاق أي مؤسسة غير قانونية تعمل في لبنان”.
اكتساح شبح
وسط القصف والاغتيالات والاستهداف المالي، ظهر المؤشر الأخطر: الإخلاء الجماعي. إن طلب إسرائيل إخلاء 53 قرية جنوبية، ومن ثم إصدار تحذيرات إضافية للقرى الواقعة على حافة الجبهة، لم يكن إجراءً روتينيًا. ويحمل استخدام عبارة “النداء الأخير” دلالة عسكرية واضحة، إذ أنها عادة ما تسبق العمليات واسعة النطاق، سواء لتكثيف النيران أو للتحضير للتوغل البري.
ويرى محللون أن احتمال الغزو لم يعد فرضية بعيدة، إذ أن إسرائيل التي تعتبر وجود تهديد فعلي جنوب الليطاني أمرا غير مقبول، قد تسعى إلى توسيع عمقها الأمني داخل الأراضي اللبنانية. في هذا السيناريو، لم يعد الليطاني خطاً أحمر نهائياً، بل محطة على مسار قد يمتد شمالاً ليشمل الجنوب بأكمله، وقد يصل إلى حدود صيدا ونهر الأولي، ما يعني عملياً وضع جنوب لبنان بأكمله ضمن دائرة العمليات.
الجانب الإنساني لهذا الاحتمال خطير للغاية. وإخلاء عشرات القرى يعني نزوح عشرات الآلاف في بلد يعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وخدمية خانقة. ويواجه الجنوب، الذي لم يتعاف بعد من حرب 2024، خطر التحول إلى منطقة فارغة من سكانها، مع إعادة هندسة واقعه الأمني بالقوة.
“حرب التضمين المزدوج”
وفي هذا السياق، اعتبر الأكاديمي والكاتب السياسي شارل الشرتوني أن لبنان ارتكب عملاً محرماً، “وأن قرار حزب الله تبني إطلاق الصواريخ بحجة دعم إيران لم يكن مفاجئاً لا في مضمونه ولا في تداعياته”. ورأى الشرتوني أن ما حدث هو نتيجة تراكم سياسي امتد على مر السنين، وبلغ ذروته خلال العام الماضي، “عندما تحولت سياسة الدولة اللبنانية إلى مظلة واقعية لمسار الحزب بدلا من أن تكون سياسة الاحتواء والمنع، ومن هنا يدفع اللبنانيون ثمن مغامرات عسكرية لم يختاروها، فيما تتحول البلاد إلى ساحة للاستثمار”. «في صراعات إقليمية أكبر وأصعب منها».
وفي شرحه لجدوى إطلاق الصواريخ، طرح الشرتوني مفهوم “حرب التضمين المزدوج”، والهدف الأول بحسب قراءته “هو إدخال لبنان في دوامة صراع تخدم أجندة الحزب الانقلابية في الداخل أكثر من أي هدف إقليمي فعال، خاصة أن التحولات الجيوسياسية الكبرى تتجاوز الحزب وقدرته على التأثير فيها. والهدف الثاني هو توسيع نطاق الاشتباك ليشمل الخليج وصولاً إلى لبنان، انطلاقاً من وهم التخفيف”. الضغط على إيران عبر فتح الجبهات”. لكن الشرتوني اعتبر هذه الحسابات خاطئة. فهو وهمي ولن يحدث تغييراً جوهرياً في المشهد العسكري والاستراتيجي العام، «لأن إسرائيل والولايات المتحدة تعملان ضمن استراتيجية محددة مسبقاً وبالتنسيق، وهما قادرتان على إدارة المعركة بوتيرة سريعة وبقدرات تفوق بكثير ما يملكه الطرف المقابل».
المقالات المنشورة تمثل رأي مؤلفيها
#أسباب. #لماذا #فشلت #خطة #التشتيت #التي #اعتمدها #حزب #الله #صوت #لبنان #صوت #لبنان
3 أسباب.. لماذا فشلت خطة “التشتيت” التي اعتمدها “حزب الله”؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – 3 أسباب.. لماذا فشلت خطة “التشتيت” التي اعتمدها “حزب الله”؟ – صوت لبنان – صوت لبنان
المصدر : www.vdl.me
