.

اراء و اقلام الدستور – حقل ألغام

سامر الشخشير17 فبراير 2026
اراء و اقلام الدستور – حقل ألغام


دستور نيوز

في 16 فبراير 2026

بقلم جميل كامل مروة
ثلاث ساعات جمعت ترامب ونتنياهو، ثم خرج الرئيس الأميركي إلى منصته المفضلة، وليس إلى منصة الدولة، ليقول: أقنعت رئيس وزراء إسرائيل بتفضيل المسار الدبلوماسي مع إيران… على أن تبقى «الوسائل الأخرى» حاضرة على الطاولة.
عندما يتحدث رجل مثل ترامب عن «وسائل أخرى»، فإن المقصود ليس الزخرفة اللفظية في مؤتمر صحفي. والمقصود هو أن الطاولة نفسها قابلة للاشتعال.
وفي تل أبيب، تراجعت شعبية نتنياهو في الداخل إلى حوالي أربعين بالمئة، في حين أن استطلاعات الرأي الإسرائيلية ترفع ترامب إلى مستوى أكثر غرابة: ثلاثة وسبعون بالمئة من الإسرائيليين يدعمون رئيسًا أمريكيًا أكثر من دعمهم لرئيس وزرائهم. هذه المفارقة لا تحدث بالصدفة. إنها علامة العصر: السياسة تتحول إلى رهان خارجي، والقرارات يتم تغذيتها من خارج الحدود أكثر من داخلها.
ولهذا يهرع نتنياهو إلى واشنطن قبل الموعد المقرر الأسبوع المقبل، ليضم لقاءه ضمن قافلة أمنية واستخباراتية وعسكرية تصل إلى العاصمة الأميركية. عنوانه واحد: تنسيق الاحتمالات… والاحتمالات في الشرق الأوسط ليست أرقاماً على الورق؛ إنه الدم على الأرض.
وبينما تتنافس آلة «الهسبرة» في الهجوم على ولي العهد السعودي، وتلوح بتوبيخها لـ«تجميد التطبيع»، وتراقب تحركات الإمارات في اليمن والبحر الأحمر، يفتتح ترامب مجلس «السلام» المقبل ليعيد تدوير وصفة كوشنر ويستأنف الحديث عن إعادة إعمار غزة… وكأن غزة مشروع مقاول في معرض دولي، وليست جرحاً مفتوحاً على شاطئ البحر الأبيض المتوسط.
في نهاية ديسمبر/كانون الأول، يكثف الضباب من بكين: أنباء عن صراع خلف الكواليس، واعتقالات في دوائر حساسة، وصورة غير مستقرة. ثم خرجت المخابرات الأمريكية لتخاطب الصينيين بالفيديو: «أيها العسكريون والإداريون والعلماء والأكاديميون.. زودونا بالمعلومات».
وعندما تتواصل القوى العظمى لتطلب تفسيراً من خصومها عبر التصريحات، فاعلموا أن النظام الدولي لا يقرأ الواقع.. بل يتفحصه.
وفي هذا الضجيج تتحرك حاملات الطائرات من البحر إلى البحر: «أبراهام لنكولن» يغادر محيط الصين نحو بحر العرب تحسبا لإيران، ويتوجه «جيرالد فورد» للمساندة. ستستأنف المفاوضات في جنيف يوم الثلاثاء، بينما لغة البحر تقول شيئاً آخر: المفاوضات تسير على طبق ساخن.
ويضيف ترامب شروطا إلى العراق ويضغط على اختيار رئيس للوزراء، في حين تواصل إيران تصدير نفطها إلى الصين، ولو بأسعار مخفضة. ثم يأتي دور المعادن الثمينة، وتلوح بكين بورقة من شأنها أن تهز صناعة الإلكترونيات، التي تعد العمود الفقري لسباق الذكاء الاصطناعي. في المقابل، يتفاخر ترامب بتوسيع مصادر النفط من فنزويلا، ويقول لإيران: لقد أعددت البدائل.. حتى لو أغلقت هرمز.
أما سورية فستتحرك بخطوات تدريجية نحو ترتيبات جديدة تحت أعين تركية أميركية، وستصبح المؤتمرات الأمنية واللقاءات الدبلوماسية مسرحاً لإعادة توزيع الأدوار.
ولبنان يبقى.. على الهامش؟
كلاهما. لبنان في القلب، ولكن كالمريض الذي يختلف أطباؤه على عمليته الجراحية، ويتنازع الورثة على سريره.
إسرائيل تضغط على لبنان وتواصل حربها على حزب الله وكأن الاتفاق على وقف العمليات العسكرية لم يحدث. ترامب يدعم من دون تعليق، أو يرسل «تعليقات» عبر مبعوثين لا يرون في لبنان وطناً بل ملفاً أمنياً. ثم تجتمع لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس، ويشهد أمامها ممثلون عن مؤسسات معروفة، ويتحول الحديث من «المساعدة» إلى «الخنق»: كيف نزيد الضغط؟ كيف ندفع الدولة اللبنانية إلى صراع داخلي؟ كيف نقترح عقوبات حتى على رأس السلطة التشريعية؟
كل ذلك… مع اللامبالاة الوقحة تجاه غياب وجهة نظر الحكومة اللبنانية، وكأن الدولة هنا يجوز لها الصمت.
إن كل من ينخدع بأسلوب ترامب العشوائي في حب الظهور يرتكب خطأ الاعتقاد بأنه لا يعرف ماذا يفعل. فالرجل لا يبيع الفوضى من باب العبث. يبيعه كقناع ليد من حديد. قبضة تضيق على فريقه كالأصفاد، وتجعل القرار حكراً على رجل واحد.
حتى عمالقة التمويل والذكاء الاصطناعي الجدد أطاعوا… ليس من باب الحب، بل خوفًا من تكلفة العصيان.
وهذا ما أدت إليه العلاقات الدولية: إمبراطور يتمتع بأقوى قوة عسكرية واقتصادية، ولا أحد ينكر أو يفعل أي شيء.
ومع ذلك، فإن ترامب، في جوهره، تاجر مغامر. منطق التاجر لا يتزوج المبادئ. الزواج من الصفقة.
إذا احتار العالم في التعامل مع هذا «الإمبراطور التاجر»، فماذا سيفعل لبنان المشلول؟
الجواب: يمكن للكثيرين. بشرط أن يتوقف عن التصرف على نفسه.
“الكثير” ليس رسائل أو لافتات. “الكثير” يبدأ من الداخل:
ولا تزال أحزاب العقود الأربعة مبرمجة على إبطاء نمو الدولة، تحت وهم أن شراء الوقت من شأنه أن يطيل بقائها. ولا دواء ينتظر صحوة طوعية منها. لكن الحقيقة الأوضح هي أن تلك الأطراف فقدت سلاح الإرهاب وتجاوز القانون كما كان. غالبية اللبنانيين تركوا هذيان الزعماء وشأنهم، وبدأوا ينتظرون من العهد والحكومة «إشارة الرحيل»، وليس «علامة الصبر».
لبنان ليس فقيراً في المواهب.
الموهبة تفيض. والخبرات وفيرة في جميع أنحاء العالم. لقد سئم المال انتظار الثقة لتستفيد منها المشاريع.
لكن الثقة لا تأتي مع الصلاة. الثقة تُبنى فعلياً: القيادة بأيدٍ نظيفة، والتنفيذ الواضح، وقياس كل وعد بمقياس الإنجاز، وليس بمقياس التصفيق.
فالخطر الأعظم لا يكمن في ترامب وحده، ولا في الضباب العالمي وحده. والخطورة هي أن يبقى لبنان أسيراً لأحزاب تجيد تعطيل الدولة أكثر من بنائها.
لدينا حقل ألغام دولي أمامنا، نعم. لكن الأخطر هو أن نزرع ألغاماً داخل منزلنا، ثم نطلب من العالم أن ينقذنا من انفجار صنعناه بأيدينا.
لبنان لا يحتاج إلى معجزة. إنها تتطلب جرأة «مغامرة إلى الأمام»: ترك أحزاب أربعين عاماً خلفنا، ليس على الورق، بل في صنع القرار، في الإدارة، في القضاء، في الجيش، وفي اقتصاد يدار كدولة، وليس كغنائم.
عندها فقط… سيكون الضباب العالمي أقل قدرة على إيذاءنا.
لأن الدولة التي تعرف طريقها لا تضلها العواصف.
جميل مروة

#حقل #ألغام

حقل ألغام

– الدستور نيوز

اراء و اقلام الدستور – حقل ألغام

المصدر : www.elsharkonline.com

.