دستور نيوز
في 12 فبراير 2026
بقلم محمد قواس
“أساس ميديا”
فعندما قرر الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن اتفاق فيينا النووي لعام 2015، الذي نسقه سلفه باراك أوباما، كان «أسوأ اتفاق في التاريخ»، التزمت إيران، كما فرض ذلك «السوء»، بحدود قصوى لتخصيب اليورانيوم لا تتجاوز 3.67%، وبحد أقصى لمخزون من هذا التخصيب لا يتجاوز 300 كيلوغرام، ناهيك عن مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمفاعلات وأنشطتها. وبما أن ذلك كان سيئاً، فإن منطق الأمور هو أن ترامب وأسطوله لن يلتفتوا إلى الوراء قبل أن يفرضوا الاتفاق «الجيد» على إيران. كيف ستبدو الصفقة المحتملة؟
وبعد انسحاب ترامب من الاتفاق عام 2018، انسحبت إيران تدريجيا من الاتفاق “السيئ” ورفعت نسبة التخصيب إلى 20 بالمئة في مرحلة أولى، ثم إلى 60 بالمئة في مرحلة ثانية، فيما رفضت طهران توضيح سبب وجود آثار تخصيب بنسبة 83.7 بالمئة في أحد المفاعلات التي يراقبها مفتشو الوكالة الدولية للطاقة الذرية، علما أن صنع قنبلة نووية يحتاج إلى 90 بالمئة. وبينما سمحت فيينا لإيران بتخزين 300 كيلوغرام فقط من اليورانيوم منخفض التخصيب، تطالب واشنطن والوكالة طهران بالكشف عن مصير أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب لتسويقه خارج الحدود.
حفظ ماء الوجه؟
وفي النهاية، أدت «فتوى» ترامب (ومن يقف وراء قرار إسقاط الاتفاق في واشنطن) إلى وصول إيران إلى «عتبة» القنبلة النووية، بحيث أصبح الانتقال إلى تصنيعها مسألة وقت وقرار. في الواقع، لم يكن موقف ترامب خلال ولايته الأولى فكرته، القادمة من عالم الأعمال والعقارات، بل هو قرار اتخذته مؤسسات أميركية، بعد أن خلصت إلى أن «عقيدة أوباما» حررت طهران من تصنيع القنبلة وتطوير برنامج صاروخي باليستي، وأتاحت لمنصة في طهران أن تعلن للعالم أجمع أن الجمهورية الإسلامية تسيطر الآن على 4 عواصم عربية. والدليل على براءة ترامب من ذلك الفعل هو أن أمريكا التي نبهته إليه هي نفسها التي منعت خليفته جو بايدن، رغم وعده الانتخابي، من عدم العودة إلى ذلك الاتفاق المشؤوم.
وقبل انعقاد اجتماع الوفدين الأميركي والإيراني، الجمعة، في مقر إقامة وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي في مسقط، ألمحت طهران إلى إمكانية قبول تخفيض نسبة التخصيب من مستواها الحالي، أي 60 بالمئة، إلى 20 بالمئة. العرض قدمه الرجل المقرب من المرشد الأعلى الجنرال علي شمخاني، مقدماً الأمر على أنه هدية إيرانية تتجاوز سقف اتفاق فيينا بأكثر من خمسة أضعاف، وفوق ذلك مشروطة بعودة أميركية سخية. كما ألمحت التسريبات إلى قبول طهران نقل مخزونها إلى كونسورتيوم إقليمي مقره طهران وربما عاصمة أخرى. وفي كل ما تعرضت له طهران، بدا أن هناك توجهاً نحو القبول بصيغة جديدة لا تعيدها إلى شروط فيينا وإكراهاتها. لكن بعد 8 ساعات من المحادثات المباشرة/غير المباشرة بين الوفدين، خرج ترامب يتحدث عن الإيجابية وشوق الإيرانيين إلى الاتفاق.
وقالت هذه اللغطات إن واشنطن قد توافق على التخلي عن مطلبها بمنع إيران من تخصيب اليورانيوم وتجريدها من كامل مخزونها من ذلك المعدن المشع بالسماح بالتخصيب بنسبة أقل من 3 بالمئة حفظا لماء طهران. إذا كان ترامب سعيداً بإعادة إيران إلى شروط الاتفاق «السيئ»، فماذا ستقدم إيران لحفظ ماء وجه الرئيس في واشنطن؟ وقد يتساءل سائل ما إذا كان سعر حاملة الطائرات الأميركية الأحدث «أرمادا» التي تتسلل إلى مياه المنطقة هو اتفاق جديد سيجعل العالم يندم على الاتفاق القديم.
ولم تعد المنطقة تستوعب نظام طهران
وتخشى إسرائيل هذا الاحتمال، وسارع بنيامين نتنياهو إلى القفز إلى واشنطن لتزويد ترامب بمجموعة من الضغوط على طهران. وطهران تعلم أن الأسعار المرتفعة مطلوبة. ويدرك ترامب أن سمعته وسمعة بلاده وسمعة حزبه في الانتخابات النصفية الخريف المقبل تتطلب «إنجازا» غير عادي. كما أن «الدولة العميقة» التي عبر عنها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، خارج سياق أصدقاء الرئيس (ستيف ويتكوف، جاريد كوشنر، توك باراك، مسعد بولس وآخرون) في اتخاذ القرار، ترى أن منطق الأمور يؤدي إلى أي مفاوضات بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية وعلاقة طهران بأذرعها في المنطقة.
وفي إيران، بدأ هؤلاء يعتقدون أن ترامب المتفائل يشتري الوقت لتحقيق هدف لا رجعة فيه. وهو نفسه أرفق قصيدة التفاؤل بالإعلان عن نشر المزيد من السفن والقوات في المنطقة وفرض عقوبات جديدة على إيران. وحتى موافقة واشنطن على تلبية طلبات طهران بنقل المفاوضات من إسطنبول إلى مسقط، ورفضها قبول حضور ممثلي دول المنطقة، بدت من الأعراض التي أقلقت إيران ولم تطمئن طهران، وكأن كل ذلك تفصيل هامشي مقارنة بما سيأتي.
تشير آخر تطورات موازين القوى في المنطقة إلى أن زلزال «طوفان الأقصى» الذي انقلب على خرائط وخطط وأطماع لم يعد يتسع لنظام في طهران لم يتخل عن أبجدياته، مما يكشف عن شلل خطير وفقدان مرونة التكيف مع نظام دولي لا تبعد عنه دول مثل روسيا والصين وأوروبا. قد يتمنى ترامب صيغة فنزويلية تعود عليه بثمار دون زراعة كبيرة، لكن ما تعرضه منابر طهران والعروض التي تقدمها قنصليتها للخروج من المأزق، ولعل ما خرج من 8 ساعات من «الدردشات» في مسقط قد يفسر سر تدفق السفن الأميركية وما تخطط له بصمت في ظل رئيس متفائل.
محمد قواس
#طهران #مرتبكة #ترامب #يخدعنا #والحرب #لا #مفر #منها
طهران مرتبكة: ترامب يخدعنا والحرب لا مفر منها
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – طهران مرتبكة: ترامب يخدعنا والحرب لا مفر منها
المصدر : www.elsharkonline.com
