دستور نيوز
خالد المطلق
في تاريخ السياسة والحضارات، هناك حقيقة ثابتة لا تتغير، وهي أن الدولة كيان ينمو بالمؤسسات ويموت بالناس، وأن السلطة التي تبنى حول الأفراد وليس حول المؤسسة، حول القول وليس الفعل، حول الرموز والمشهد وليس حول الشرعية، قد تستقر إلى حين بسبب القوة أو الدعاية، لكنها تبقى سلطة “مؤقتة” وهشة، وفي النهاية يجد أصحابها أنفسهم عراة تماما أمام محكمة التاريخ الصارمة.
والفرق الأساسي بين النظام “الفردي” والنظام “المؤسسي” يكمن في مفهوم الاستمرارية وإمكانية التنبؤ. وفي النظام الفردي (سلطة الظل) تصبح الدولة «عقاراً» شخصياً، وتصمم القوانين بما يناسب الحاكم وقراراته تنبع من مزاجه الشخصي أو من دائرة ضيقة ممن حوله. وهنا لن تكون المؤسسات سوى «زخارف» وظيفية هدفها تجميل القبح أو شرعنة الرغبات الشخصية. والخطورة هنا هي أن سقوط الفرد يعني بالضرورة انهيار البناء بأكمله، لأن الدولة لم تبنى لتعيش من دونه. أما نظام المؤسسة (سلطة العقد) فالسلطة “وظيفة” وليست “هبة”. المؤسسة تعني القواعد والشفافية ونقل السلطة. وفي هذا النظام تكون الدولة قوية لأنها لا تتأثر برحيل الناس. الآلة تعمل وفق قوانين ثابتة، والشرعية تستمد من الإنجاز والرضا الشعبي، وليس من صورة الحاكم أو خطاباته.
تلجأ الأنظمة الفردية دائماً إلى «الاستعراض» للتعويض عن غياب الشرعية الحقيقية، وعندما تعجز السلطة عن تقديم «الفعل» كالتنمية والعدالة والحرية، فإنها تبالغ في تقديم «الكلمات» و«الرموز»، وهذا ما يسمى خطاب السراب. وهنا يتحول الحاكم إلى «رمز مقدس» لا يخطئ، وتصبح الاحتفالات والقصور والتماثيل الدليل الوحيد على العظمة المزعومة، ويحل «الخطاب العاطفي» محل «الخطة الاستراتيجية». لكن مشكلة المشهد هي أنه مثل الدواء الذي يحتاج إلى جرعات. والأعظم دائماً ضمان التأثير، وفي اللحظة التي يواجه فيها النظام أزمة «اقتصادية أو عسكرية» حقيقية، تتبخر الرموز وتظهر الدولة في حالتها البدائية مجرد أجهزة قمعية بلا روح ولا سند شعبي.
وعندما نعود إلى تاريخ سقوط الأقنعة في دول تعتبر المصنع الكبير الذي أثبت فشل الرهان على الأفراد، فلننظر إلى نموذج لويس الذي بنى “قصر الشعب” الذي يعتبر من أكبر المباني في العالم، وملأت صورته الأفق كقائد عبقري. لكن عام 1989، خلال كلمته في حشد “المؤيد”، تحولت في لحظة واحدة، إلى صيحات استهجان، وخلال أيام وجد نفسه وحيدا، بلا جيش يحميه ولا مؤسسات تدافع عنه. وانتهى به الأمر أمام فرقة الإعدام ليثبت أن “المشهد” كان مجرد وهم. أما شاه إيران الذي أقام عام 1971 الاحتفال الأسطوري بـ “ألفية بلاد فارس”. ليثبت أنه وريث كورش الكبير، تجسيد الرمزية المطلقة، وبينما كان ينفق الملايين على المشهد، كانت شرعيته تتآكل في أزقة طهران، وعندما اندلعت الثورة رحل ومعه «حفنة من الغبار». وكل هذا المشهد لم يكن كافيا ليبقى يوما آخر. أما النموذج الذي أمامنا اليوم فهو حافظ الأسد الذي حوّل الدولة والشعب السوري إلى مزرعة قادها بحفلة تنكرية عسكرية. وملأت صوره الجدران، وفرض نفسه الزعيم الوحيد الذي يجب أن يمتدح الجميع اسمه، حتى أسماء المعالم الوطنية. وسميت باسمه أو باسم أحد أفراد عائلته أسماء ثقافية وعلمية وتاريخية، مثل مكتبة “الأسد”، ومستشفى “الأسد”، و”معاهد الأسد لتحفيظ القرآن الكريم”، ومستشفى “الباسل”، ومسار “الباسل”، والشعارات التي اخترعها لتأليه نفسه، حيث كان الجميع يردد بعد ترديد الشعار الحزبي أو أي اجتماع عسكري أو مدني “قائدنا إلى الأبد أمين حافظ الأسد”، وليس لـ أذكر قبضته المحكمة على مفاصل الدولة ومؤسساتها وسيطرته عليها بيد من حديد، لكن كل ذلك لم يكن في نفعه بعد أن سلم السلطة لابنه المعتوه الذي كان السبب الرئيسي في سقوط حكم عائلة الأسد إلى الأبد، في مشهد سيسجله التاريخ كنموذج لحكم دكتاتور فردي يختفي بسرعة البرق. وفي المقابل نجد نموذج جورج واشنطن الذي رفض «تأليه الفرد» من خلال إرساء أسس المؤسسة والتخلي طوعا عن السلطة، وهو ما خلق دولة استمرت مئات السنين. لم يترك واشنطن «صوراً»، بل ترك «دستوراً»، فلم يقف عارياً أمام التاريخ قط، بل تم تكريمه كباني.
وفي الختام، فإن السلطة التي تفتقر إلى الشرعية المؤسسية هي سلطة «عارية»، حتى لو لبست تيجان العالم، لأنها تعيش في حالة خوف دائم من «الحقيقة»، فتحيط نفسها بالجدران والدعاية. لكن التاريخ يخبرنا أن لحظة الحقيقة ستأتي حتما. إما أن تتركوا وراءكم مؤسسات تحمي وطنكم واسمك، أو تتركوا خلفكم رماد وذكرى نظام ظن أن الخطاب يبني الدول وأن القمع يخلق الولاء، وفي النهاية يرحل الشعب ويصمت الكلام. تهدم التماثيل، ولا يبقى إلا ما بني على أساس المؤسسة والعدالة والشرعية الحقيقية. أما الباقون فمصيرهم «في صحراء التاريخ».
متعلق ب
إذا كنت تعتقد أن المقالة تحتوي على معلومات غير صحيحة أو لديك تفاصيل إضافية، أرسل لي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد أن المقال ينتهك أي مبادئ أخلاقية أو معايير مهنية، قم بتقديم شكوى
#فلسفة #السقوط. #عندما #يبتلع #الفرد #مفهوم #الدولة
فلسفة السقوط.. عندما يبتلع «الفرد» مفهوم «الدولة»
– الدستور نيوز
اراء و اقلام الدستور – فلسفة السقوط.. عندما يبتلع «الفرد» مفهوم «الدولة»
المصدر : www.enabbaladi.net
